
“البحر الأحمر”.. التنافس والفرص والمهددات.
كتب /الهضيبي يس
مجلة البحوث العربية – تونس
يُمثّل البحر الأحمر عمقًا إستراتيجيًا مهمًا للبلدان المطلة عليه، كما يستمدّ أهميته من موقعه الجغرافي الذي وفر للقوى الإقليمية والدولية إمكانية الوصول إلى المحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن أهميته في ثلاث دوائر أمنية: الأمن القومي العربي، الأمن الأفريقي، والأمن العالمي.
ومن هنا، يمثّل بسط السلام والاستقرار في هذه المنطقة أمرًا حيويًا لتنمية شعوبها، كما أن أي تهديد تتعرض له يؤثر بشكل مباشر على التجارة الدولية؛ إذ يمر عبر البحر الأحمر حوالي 12% من التجارة العالمية، و20% من إجمالي شحن الحاويات سنويًا، فعدم الاستقرار في هذا الممر الحيوي يشكل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين. ويتطلب تحقيق الاستقرار نوعاً من الإلتزام طويل الأمد من جميع الأطراف صاحبة المصلحة لمعالجة الأسباب الجذرية التي جعلت من المنطقة مسرحًا للتنافس الجيوسياسي.
ويعد التركيز على الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر، مدخلًا مهمًا لتعزيز الحريات على المستويين: الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي تقوية فرص مواجهة التحديات الناتجة عن التنافس الجيوسياسي والتي تعد بمثابة حجر الزاوية الذي يمكن البناء عليه لدعم التقدم والرفاه الاجتماعي لشعوب المنطقة، في ظل بيئة تتسم بدرجة عالية من التعقيد السياسي والأمني بسبب إرتباطها العضوي بمنطقة أكثر سخونة وحساسية في إطار التنافس الجيوسياسي الإقليمي والدولي وهي منطقة القرن الإفريقي.
فالعلاقة بين منطقتي البحر الأحمر والقرن الإفريقي تتسم بنوع من الاعتمادية المتبادلة، مما يعني أن ما يحدث على الضفة الشرقية من البحر الأحمر (الخليج العربي) يؤثر على ما يحدث في الضفة الغربية منه (القرن الإفريقي). وهذا الارتباط يأخذ شكله الاستراتيجي.
حيث يعد مضيق باب المندب، الذي يقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي، منطقة وصل بحري غاية في الأهمية، إذ أنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، مما يجعله ممرًا حيويًا للتجارة العالمية، خاصة لشحنات النفط من الخليج العربي.
كذلك القيمة الاقتصادية كما سبقت الإشارة، يُعدّ البحر الأحمر طريقًا تجاريًا مهمًا بالنسبة للسلع وموارد الطاقة المتدفقة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا وفي هذا السياق، يُعتبر القرن الأفريقي بوابة لهذه الأسواق، حيث تلعب موانئ جيبوتي وبربرة في الصومال دورًا مهمًا في تسهيل التجارة. إضافة إلى ذلك، تتمتع المنطقتان بموارد طبيعية كبيرة غير مستغلة، مثل: النفط والغاز والمعادن، مما يفتح الباب للتنافس الجيوسياسي وظهور بعض التحديات الأمنية.
وهو يجعل المهددات الأمنية تتصاعد باشراك منطقتا البحر الأحمر والقرن الأفريقي في تحديات أمنية بسبب القرصنة، التي تشكل تهديدًا للملاحة البحرية. يُعتبر خليج عدن من النقاط التي تشهد نشاطًا متزايدًا للقرصنة والجريمة البحرية، مما يهدد الشحن والتجارة إلى جانب ذلك، فإن الإرهاب والتطرف الذي تمثله حركة الشباب في الصومال وغيرها من المنظمات المتطرفة، بالإضافة إلى التغير المناخي الذي يفاقم الصراعات ويخلق مخاطر أمنية تفوق قدرة دول المنطقة على مواجهتها، كل ذلك يفتح الباب للتدخلات الخارجية، وزيادة حدة التنافس الجيوسياسي.
وقطعا هناك عوامل للتافس من حيث الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر في جذب اهتمام القوى الإقليمية والدولية للسعي لبسط النفوذ والسيطرة، ففي وقت تسعى بعض الأطراف الإقليمية إلى حماية مصالحها من خلال إقامة التحالفات والسعي للتأثير على الأوضاع الداخلية لبعض دول المنطقة، وخاصة تلك المطلة على الضفة الغربية للبحر الأحمر، فإن قوى دولية من خارج الإقليم، مثل: الولايات المتحدة والصين وروسيا، تسعى بدورها لتعزيز وجودها العسكري لأسباب مختلفة.
مادفع دولة مثل الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها العالمية، وضمان حرية الملاحة، بالإضافة إلى مواجهة نفوذ القوى المنافسة مثل الصين، من خلال مبادرة الحزام والطريق، فتسعى هي الاخري إلى توسيع نفوذِها الاقتصادي عبر الاستثمار في البنية التحتية للموانئ وإنشاء الطرق التجارية، وقد أسست أول قاعدة عسكرية لها خارج الصين في جيبوتي في شهر أغسطس لعام 2017
مقابل ذلك تسعى روسيا إلى تأكيد عودتها كقوة كبرى، ساعية لإيجاد موطئ قدم لها في المياه الدافئة، وخاصة في ميناء بورتسودان في السودان. هذا المشهد الجيوسياسي يدفع إلى طرح أسئلة حول الجدوى الأمنية والإستراتيجية من عسكرة مياه البحر الأحمر، ومدى نجاح المقاربات الأمنية والتحالفات القُطرية في تحقيق مصالح الأطراف المتنافسة، وما هي الانعكاسات الأمنية والإستراتيجية لهذا التنافس على الأمن الإقليمي والدولي
فالموقع الإستراتيجي للمنطقة، مع ممراتها البحرية الحيوية وقربها من الأسواق العالمية، يجعلها جاذبة للتجارة والاستثمار. ويمكن تطوير آليات تعزز الاستقرار وتخلق بيئة مناسبة للتنمية الاقتصادية. لكن عدم الاستقرار السياسي، والصراعات الداخلية، والنزاعات الحدودية، تشكل عقبات رئيسية في طريق تحويل منطقة البحر الأحمر إلى منطقة جذب إستراتيجي قائمة على التعاون بدلًا من الصراع. لتحقيق ذلك.
فمن الضروري تطوير حوار بهدف وضغ أسسً لشراكة إستراتيجية بين دول البحر الأحمر بضفتَيها الشرقية والغربية حيث تمثل المبادرة السعودية حول “منتدى البحر الأحمر” خطوة مهمة يمكن البناء عليها، انطلاقا من منظور المساواة بين الدول المشاركة، وتُعبّر عن التنوع الموجود في المنطقة.
زيادة على إعادة التفكير في مفهوم الأمن يتوحب أن تدرك دول المنطقة أن الأمن لا يعني عسكرة البحر الأحمر، أو الاعتماد على قوات خارجية لتحقيق أهداف جيوسياسية، بل ينبغي أن يكون البحث عن جذور المشكلات والعمل على معالجتها هو الأساس لضمان حماية المصالح المشتركة لدول الإقليم على المدى البعيد






