
السودان ينهار تحت وطأة الغلاء.. إلى متى يتمسك البرهان بحكومة كامل إدريس؟
بلد ينهار وحكومة باقية.. لماذا لم يُقل البرهان كامل إدريس؟
تقرير اقتصادي | الخرطوم
لم يعد الانهيار الاقتصادي في السودان مجرد أرقام تتداولها أسواق العملات أو مؤشرات تتراجع في التقارير الرسمية، بل تحول إلى أزمة يومية تضرب موائد الأسر، وتلتهم دخول العاملين، وتدفع ملايين المواطنين إلى حافة الفقر والعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة. وبينما يواصل الجنيه السوداني فقدان قيمته، وتتسابق أسعار الغذاء والوقود والمواصلات نحو مستويات غير مسبوقة، تتصاعد التساؤلات بشأن أداء الحكومة برئاسة كامل إدريس، ومدى قدرتها على الانتقال من الاجتماعات والتعهدات إلى إجراءات توقف النزيف الاقتصادي.
وتكشف المؤشرات المتداولة في الأسواق خلال أكتوبر الجاري عن اتساع فجوة المعيشة بصورة تنذر بمزيد من التدهور، في وقت تبدو فيه الاستجابة الحكومية، قياساً بحجم الأزمة، دون مستوى التحديات التي تواجه المواطنين. ومع استمرار هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى متى يستمر هذا التدهور قبل أن تتحول المساءلة عن الأداء الاقتصادي إلى قرار سياسي واضح؟
الجنيه ينهار.. والأسعار تسبق الدخول
سجل الدولار في السوق الموازية نحو 9300 جنيه سوداني، وفق بيانات تداولات الخميس 15 أكتوبر، مقارنة بنحو 570 جنيهاً قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويعني ذلك أن الدولار أصبح يعادل أكثر من 16 ضعف قيمته السابقة بالجنيه، وأن العملة المحلية فقدت أكثر من 93% من قيمتها مقابل الدولار وفق هذه المقارنة.
ولا يقف أثر هذا التراجع عند أسواق الصرف، بل ينتقل مباشرة إلى تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل والطاقة، في اقتصاد أنهكت الحرب قطاعاته الإنتاجية وقلصت صادراته وتدفقات النقد الأجنبي. وكانت «سودان تريبيون» قد أشارت، في سبتمبر الماضي، إلى أن انهيار العملة وتراجع موارد الدولة يفاقمان الضغوط على الأسر والأسواق، في ظل استمرار النزاع وتعطل سلاسل الإمداد.
وتبدو النتيجة أكثر قسوة حين توضع الأسعار إلى جوار الرواتب. فبحسب الأسعار التي أوردتها صحيفة «صوت الأمة» في 15 أكتوبر، بلغ سعر جوال الدقيق، زنة 25 كيلوغراماً، نحو 116 ألف جنيه، وبلغ سعر جوال الفول المصري، زنة 50 كيلوغراماً، 1.4 مليون جنيه، فيما وصلت قطعتان من الخبز إلى ألف جنيه.
أما كيلوغرام لحم الضأن فسجل 75 ألف جنيه، والبقري 60 ألفاً، والدجاج 36 ألفاً، بينما بلغ سعر طبق البيض 36 ألف جنيه. وفي المقابل، تتراوح الرواتب الشهرية، وفق التقرير ذاته، بين 150 ألفاً و500 ألف جنيه.
وبعملية حسابية بسيطة، فإن صاحب راتب قدره 150 ألف جنيه يحتاج إلى نحو 77% من دخله لشراء جوال دقيق واحد، قبل أن يدفع إيجار السكن أو تكاليف العلاج والكهرباء والمواصلات. أما جوال الفول، فيعادل أكثر من تسعة أشهر من هذا الراتب. إنها فجوة تتجاوز حدود الغلاء المعتاد لتكشف انهياراً في القدرة الشرائية يجعل الدخل الشهري عاجزاً عن أداء وظيفته الأساسية.
الغذاء والمواصلات.. جبهتان لاستنزاف المواطن
وفي أسواق أم درمان، رصدت جولة ميدانية نشرتها «دارفور24» ارتفاع سعر جوال السكر إلى 400 ألف جنيه، مقابل 330 ألفاً في الأسبوع السابق، وقفز سعر جركانة زيت الفول إلى أكثر من 570 ألف جنيه، مقارنة بـ400 ألف. كما بلغ سعر جوال دقيق القمح 160 ألف جنيه، والأرز الأبيض 245 ألفاً، فيما تجاوز سعر جوال البن مليوني جنيه.
وامتدت موجة الغلاء إلى ولايات أخرى. ففي سوق الأبيض بشمال كردفان، ارتفع سعر جوال الدقيق من 114 ألفاً إلى 145 ألف جنيه، وصعد السكر من 355 ألفاً إلى 420 ألفاً، وفق بيانات نقلها موقع «السودان نيوز» في 18 أكتوبر. وفي كتم بشمال دارفور، بلغ سعر جوال السكر 580 ألف جنيه، والدقيق 270 ألفاً، بينما وصلت جركانة البنزين إلى 395 ألف جنيه.
ولا تقل أزمة المواصلات قسوة عن أزمة الغذاء. فقد تحدث مواطنون في الخرطوم عن زيادات تجاوزت 100% في أسعار بعض خطوط النقل الداخلي، وسط أزمة الوقود وطول صفوف الانتظار أمام محطات التعبئة. كما أُعلنت زيادات اعتباراً من 17 أكتوبر بلغت 40% للبصات السفرية و30% للحافلات بين الولايات.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصراً بارتفاع متزامن في تكلفة الطعام والوصول إلى العمل والأسواق، بينما تتآكل قيمة ما يتقاضاه من أجر قبل نهاية الشهر.
حكومة الاجتماعات.. أين أثر القرارات؟
لا يمكن فصل الأزمة عن الحرب وما خلفته من تدمير للبنية التحتية وتعطيل للإنتاج والتجارة، لكن هذه الحقيقة لا تعفي السلطة التنفيذية من مسؤولية إدارة الموارد المتاحة، وترتيب الأولويات، وشرح أسباب تعثر المعالجات، ومحاسبة الجهات المقصرة.
فقد ارتفعت نسبة الفقر في السودان إلى 73% بحلول يونيو 2026، وفق ما أعلنه وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح، الذي أشار إلى أن نحو 24 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر. وتنسجم هذه الأرقام مع اتساع مظاهر العجز المعيشي، لكنها تضع الحكومة أيضاً أمام مسؤولية اجتماعية لا تقل أهمية عن الملفات العسكرية والسياسية.
وفي المقابل، لا يصح القول إن الحكومة لم تعلن أي تحرك. فقد أفادت وكالة السودان للأنباء، في 12 أكتوبر، بأن رئيس الوزراء كامل إدريس عقد اجتماعاً طارئاً ناقش ملامح خطة للتقشف وخفض الإنفاق الحكومي وتخفيف أعباء المعيشة، كما تحدثت تقارير رسمية عن منافذ لبيع السلع بأسعار مخفضة. غير أن الإعلان عن الخطط لا يساوي تنفيذها، ولا يكفي وحده لإثبات قدرتها على كبح موجات الغلاء.
المشكلة الأساسية هي غياب أثر ملموس وسريع يتناسب مع حجم الضغوط. فالمواطن لا يقيس الأداء الحكومي بعدد الاجتماعات أو البيانات، وإنما بما إذا كان يستطيع شراء الغذاء، والوصول إلى عمله، والحفاظ على قيمة راتبه، وتأمين احتياجات أسرته الأساسية.
الإنتاج والوقود والنقد الأجنبي.. حلول معلقة
تتداخل أسباب الأزمة بين تراجع العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، واضطراب حركة التجارة، ونقص الوقود والكهرباء، وتراجع الصادرات. كما أن القرارات المتعلقة بحظر بعض الواردات قد تؤدي، إذا لم تراعِ حجم الإنتاج المحلي ومواسم نقص المعروض، إلى زيادة الأسعار بدلاً من خفضها.
وفي هذا السياق، تبرز خطة وزارة الزراعة لاستهداف نحو مليون فدان من القمح خلال الموسم الشتوي، في بلد يقدر استهلاكه السنوي بنحو 2.5 مليون طن. وهي خطوة يمكن أن تسهم في تقليص الاعتماد على الخارج، لكن نجاحها مرهون بتوفير التمويل والوقود والري والتقاوي في الوقت المناسب، وليس بمجرد إعلان المساحات المستهدفة.
وتحتاج المواجهة كذلك إلى إجراءات واضحة لاستعادة عائدات الصادرات، ومكافحة تهريب الذهب، وتحسين إمدادات الوقود، ومراجعة السياسات التي تزيد اختناقات السلع الأساسية، إلى جانب حماية الفئات الأشد فقراً من الانهيار المعيشي.
السؤال السياسي المؤجل
أمام هذا المشهد، تتزايد الأسئلة بشأن استمرار الحكومة الحالية برئاسة كامل إدريس، وحدود مسؤوليتها عن النتائج الاقتصادية، ومعايير تقييم أدائها في ظل التدهور المتواصل. فقرار الإبقاء على الحكومة أو إجراء تغيير فيها يظل من اختصاص القيادة السياسية، لكن استمرار الأزمة يفرض ضرورة تقديم حساب واضح للرأي العام: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي لم تحقق أهدافها؟
إن تأخر الحسم السياسي، في ظل غياب نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، يوسع فجوة الثقة بين الشارع والسلطة، ويجعل أي خطة اقتصادية جديدة عرضة للتشكيك ما لم تقترن بجدول زمني معلن ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.
في المحصلة، لا تكمن خطورة الانهيار الاقتصادي السوداني في ارتفاع الدولار أو تضاعف أسعار السلع فحسب، بل في تراجع قدرة المجتمع على الاحتمال، واتساع دائرة الفقر، وتآكل الأجور والمدخرات، وتحول الاحتياجات الأساسية إلى أعباء تفوق دخول ملايين الأسر.
ومع كل موجة جديدة من الغلاء، تتقلص المسافة بين الأزمة الاقتصادية والأزمة الاجتماعية الأوسع. وفي بلد أنهكته الحرب، لم يعد المطلوب مجرد وعود باستقرار الأسعار أو خطط للتقشف والإنتاج، بل إدارة اقتصادية فعالة وشفافة، تستند إلى بيانات واضحة، وتقدم نتائج قابلة للتحقق، وتخضع للمساءلة حين تفشل. فالمعيار الحقيقي لنجاح الحكومة ليس ما تعلنه من أهداف، بل ما تستطيع إنقاذه من قيمة العملة، وقوة الرواتب، وكرامة المواطن ومعيشته.







