
الحرب في السودان لم تتراجع، بل تتخذ أشكالًا جديدة وأكثر خطورة. ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات تواصل ارتكاب الفظائع، وآخرها مقتل 23 مدنيًا في مدينة الأبيض إثر ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت الأسواق والمنازل والبنية التحتية. وبعدها بأيام، شنت الميليشيا هجومًا واسعًا في بابنوسة، لكنها مُنيت بـ هزيمة ساحقة كشفت عن هشاشتها المتزايدة على الأرض.
في خضم هذه التطورات، ظهر محمد حمدان دقلو (حميدتي) في تسجيل مصوّر لأول مرة منذ أشهر، يتجوّل بين عناصره في محاولة لاستعادة صورة القيادة.
لكن ظهوره هذا بدا أقرب إلى محاولة يائسة لاحتواء الانهيار منه إلى إعلان ثقة أو نصر. الفجوة بين دعاية الدعم السريع وواقع المعارك لم تكن يومًا بهذا الوضوح.
في المقابل، يواصل بعض الفاعلين السياسيين، وعلى رأسهم عبدالله حمدوك ومنصته “صمود”، تبييض صورة الإمارات والتقليل من دورها المباشر في تمويل وتسليح وإطالة أمد جرائم الميليشيا. هذا الصمت، أو التعمية المقصودة، لا يمكن اعتباره حيادًا، بل تواطؤًا سياسيًا خطيرًا.
بالتوازي، تتزايد المؤشرات على تورط كينيا في دعم الميليشيا، حيث تمر شحنات الأسلحة عبر ميناء مومباسا ثم تُنقل جوًا إلى معاقل الدعم السريع عبر تشاد وليبيا.
هذه الوقائع ليست متفرقة، بل جزء من مشروع خارجي متكامل يستهدف تقسيم السودان والسيطرة عليه. وفي ظل هذا التهديد، يظل تنفيذ اتفاق جوبا للسلام خطوة حاسمة للحفاظ على وحدة الصف ومنع الانهيار. الحرب لم تنتهِ، والمصير الوطني على المحك.
1. الهجوم على الأبيض: مقتل ٢٣ مدنيًا بطائرات مسيّرة إماراتية؛ هزيمة ساحقة للدعم السريع في بابنوسة وظهور باهت لحمدتي
قامت طائرة مسيّرة تابعة لميليشيا الدعم السريع، ومزوّدة من الإمارات، بالتحليق فوق مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، لتُنفذ ضربة مدمّرة. ووفقًا لمصادر ميدانية، قُتل 23 مدنيًا، وأُصيب العشرات، معظمهم من النساء والأطفال، في هجمات استهدفت السوق الكبير، وأحياء سكنية، ومنشآت بنية تحتية مدنية.
تأتي هذه الجريمة في أعقاب شهور من القصف الجوي المتواصل على الأبيض، بما في ذلك هجمات بطائرات مسيّرة في أبريل الماضي، وقصف مدفعي في الأسابيع الأخيرة.
وقد تزامن ظهور حميدتي مع هذه المجزرة، مما يفضح التناقض الصارخ في خطاب ميليشياته: استعراض القيادة في الوقت الذي تُرتكب فيه جرائم ضد المدنيين.
هذا الظهور لا يعكس قوة، بل يمثل محاولة يائسة لإثبات الوجود، ورفع معنويات المقاتلين، وطمأنة الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم الإمارات، بأن الميليشيا ما زالت فاعلة رغم سلسلة الهزائم الكبيرة في السودان.
لكن الواقع الميداني يحكي قصة مختلفة تمامًا. ففي بابنوسة، وهي منطقة استراتيجية بين جنوب كردفان وولاية النيل الأبيض، شنت قوات الدعم السريع هجومًا واسعًا، لكنها تعرضت لهزيمة ساحقة ومهينة.
وبحسب تقارير من الخطوط الأمامية، تمكنت القوات المسلحة السودانية، والقوة المشتركة، وقوات المقاومة المتحالفة معها من صدّ الهجوم، وكبّدت الميليشيا خسائر فادحة، ودمّرت آليات، وأجبرتها على الانسحاب الكامل.
معركة بابنوسة كشفت هشاشة مواقع الدعم السريع خارج مناطق سيطرته التقليدية، وقوة الإرادة المتزايدة لدى السودانيين للدفاع عن أراضيهم.
هذه الهزيمة تعرّي الفجوة بين استعراضات الدعم السريع الإعلامية، وواقع قدراته في ساحة القتال. فرغم الدعم الخارجي والدعاية المكثفة، تظل الميليشيا عرضة للانهيار أمام مقاومة موحدة ومنظمة.
2. جولة حمدوك في جنوب إفريقيا: تبرئة الممول الحقيقي
في جولة حديثة إلى جنوب إفريقيا، ألقى رئيس الوزراء الأسبق عبدالله حمدوك، رئيس ما يُسمى بـ”تحالف صمود”، خطابًا صادمًا نفى فيه تورط الإمارات في الحرب الجارية في السودان، رغم الأدلة الدولية المؤكدة. بدلاً من ذلك، حاول صرف الأنظار باتهامات باهتة لدول أخرى مثل السعودية، زاعمًا طرد السودان لرعاياها سابقًا.
هذا الخطاب يؤكد استمرار حمدوك في لعب دور الواجهة السياسية لميليشيا الإبادة الجماعية، وتلميع صورة الدعم السريع دوليًا، وطمس الحقائق الموثقة.
3. كينيا كجبهة دعم لوجستي متصاعدة للدعم السريع
تكشفت في الآونة الأخيرة معلومات موثوقة عن تورط كينيا في تقديم دعم لوجستي لميليشيا الدعم السريع، عبر ميناء مومباسا، حيث يتم تمرير شحنات سلاح تنقل جواً إلى أم جرس أو مباشرة إلى نيالا. هذا الدعم اللوجستي يعزز قدرة الميليشيا على البقاء والاستمرار في ترويع المدنيين، بدعم إماراتي واضح.
4. الحرب لم تنتهِ والوحدة هي السلاح الحقيقي؛ اهمية اتفاقية جوبا للسلام
رغم هزيمة مليشيا الدعم السريع من بعض المدن الكبرى، إلا أن الحرب لا تزال في أوجها، خصوصًا في كردفان ودارفور، حيث لا تزال الميليشيا تحتل مساحات واسعة. الوحدة الوطنية، وخاصة على جبهات المقاومة، هي السبيل الوحيد لإكمال مسيرة التحرير.
كما أن اتفاق جوبا للسلام، رغم التحديات، لا بد من الالتزام به وبتفاصيل استحقاقاته، لأنه يشكل لُحمة سياسية-عسكرياً في غاية الأهمية للمضي قدمًا نحو سودان خالٍ من المليشيا والدمار، وايضاً يمثل الاتفاق صمام أمان لبند الترتيبات الامنية . أي تفكك في هذه المرحلة سيُستخدم كثغرة لإعادة ترتيب صفوف القتلة وشن جولات جديدة من الإرهاب.
نطالب المجتمع الدولي، بـ:
• فرض عقوبات شاملة على الإمارات وقيادات الدعم السريع؛
• فتح تحقيق دولي في دور الإمارات وشركائها الإقليميين في تمويل وتسليح الميليشيا؛
• دعم جهود تنفيذ اتفاق جوبا وخصوصاً الترتيبات الامنية؛
• فتح ممرات إنسانية عاجلة إلى الأبيض ودارفور والمناطق المحاصرة.
اتحاد دارفور في المملكة المتحدة يؤكد:
“لن نسمح للطائرات المسيّرة بأن تقتلنا من السماء، ولا للسياسيين المدفوعين أن يغسلوا دماء الضحايا بخطب زائفة. الطريق الوحيد للنجاة هو الصمود والتوحد في وجه المشروع الإبادي المدعوم خارجيًا.”
اتحاد دارفور في المملكة المتحدة






