سارة الطيب تكتب:صبرٌ لا يُقاس، وكرامة لا تُهزم
نساء السودان بين أنقاض الحرب، من ينهض من أجلهن؟
ما يزيد على 28 شهراً من الجحيم المستعر، الذي أشعل فتيله تتار هذا العصر من عصابة آل دقلو الإرهابية، ومن خلفهم عيال زايد الشر، وداعميهم المحليين من الطُغمة السياسية المغيّبة عن وعي الإنسان وقيمه، كانت كافية لتمزيق وطن بأكمله، وتحويله إلى ساحة مستباحة، يكثر فيها الخراب، وتتناثر فيها أرواح الأبرياء.
دفع شعبٌ نبيلٌ عُرف بأرفع القيم الإنسانية، ثمناً فادحاً، غير أن نساء بلادي كُنّ الأكثر نزفاً، والأعمق جرحاً.
عندما اندلعت الحرب، لم يكن أمام آلاف النساء سوى حمل أطفالهن، والفرار من البيوت التي كانت تملأها الحياة، إلى خيام الشتات، أو العراء، أو حدودٍ لا ترحب بأحد.
نزحن من الخرطوم، من دارفور، من كردفان، من الجزيرة، من النيل الأبيض…
تركن ذكريات العمر، وبيوت الطين والزهر، وغادرن ومعهن حكايات لم تكتمل، وحيوات سُرقت على عجل.
وفي طريق النزوح، لم تكن الهواجس متعلقة فقط بالجوع والعطش، بل بـالاغتصاب، والتحرش، والانتهاك — سلاح الحرب الأشد خسة، الذي استُخدم ضد النساء والفتيات دون رحمة.
لم تقف مآسي النساء عند حدود النزوح، بل حملن على أكتافهن أعباء أسر كاملة، في وقت غابت فيه مصادر الرزق، وتعطّلت الأسواق، وانهار الاقتصاد.
لم تعد المسؤولية توفير “لقمة العيش”، بل صناعة هذه اللقمة من العدم.
نساء صنعن الطعام من لا شيء، جعلن من الرماد موقداً، ومن الألم حافزاً للصمود.
كثيرٌ من الرجال فقدوا القدرة على التحمل، بعضهم فُقد، وبعضهم أُسر، وبعضهم فرّ وترك زوجته وأطفاله في وجه المجهول.
لكن النساء بقين. ربطن على قلوبهن، وتقدمن الصفوف، ليس فقط بأجسادهن، بل بصلابةٍ لا يملكها كثير من الرجال.
في هذا الزمن الصعب، زمن الحرب والخذلان، أصبحت المرأة السودانية دولة مصغرة الأم هي المعيلة، المُمرضة والمُربية. ومَن تُطفئ النار، وتُعيد ترتيب الفوضى، وتُسكت بكاء طفلٍ خائف. وتدفن في قلبها رجاءً بات مستحيلاً.
وفي غياب أقل مقومات الحياة: لا كهرباء، لا ماء، لا أمان…
أظهرت المرأة السودانية شجاعة تُكتب بماء الذهب.
شجاعة الصمت الثقيل، والعمل بلا ضجيج، والوجع بلا شكوى.
ما فعلته الحرب بالنساء في السودان لا يُقاس فقط بعدد الضحايا أو القصص، بل بمستوى الوجع المُخبأ خلف الوجوه القوية.
ففي كل خيمة نازحة، في كل منزل مهدّم، في كل مدينة تعيش تحت القصف، هناك قصة لأمرأة تقاوم باسم أسرتها، وباسم وطنٍ خانته نخبه.
ومع كل هذا، لا تزال المرأة السودانية تُعطي، وتُربي، وتُعالِج، وتُقاتل، وتصبر.
ما من لغةٍ تكفي لوصف ما جرى وما يجري على أجساد النساء السودانيات وقلوبهن.
لكن علينا، على كل من يملك قلماً أو منصة أو صوتاً، أن يوثّق هذا الوجع، لا ليُستثمر، بل ليُسمع.
فمن بين الركام، تنهض النساء دائماً، ولكن من ينهض من أجلهن؟
كل هذه الأوجاع… لم تفارقنا حين كنا في الوطن، ولا حين عبرنا حدوده.
رافقتنا إلى مدينة العلمين حيث قمة الإبداع الإعلامي للشباب العربي النسخة الثانية التي احتضنتها الشقيقة مصر – أم الدنيا، حيث لم يكن حضورنا عادياً، بل كان صوتاً لإيصال الوجع السوداني، ومرآةً لمعاناة شعبنا، ونسائنا، وأطفالنا الذين يدفعون ثمن الحرب وحدهم.
في أروقة المؤتمر، بين الكلمات والعروض، حملنا الوجع لا في أوراق أو مداخلات، بل في قلوبنا، في نبراتنا، في دمعة حاولنا حبسها.
لم يكن الألم خطاباً، بل كان حقيقة تمشي على أقدامنا، وتعلو في صوتنا كلما ذكرنا السودان.
وصل الوجع، وتفاعل معنا الحضور والمنصة، وسُئل السؤال الأكبر:
*”لماذا يغيب السودان عن الإعلام العربي؟ ولماذا لا تُروى معاناة المرأة السودانية وأطفالها كما يجب؟”*
وكان الرد من المنصة اقتراحًا كريمًا: *أن يُخصّص مؤتمر خاص في ذات المكان، عن المرأة ، وما تعانيه في ظل الحرب والنزوح والانكسار.*
أما في القلب، فقد بقيت غصة أخرى، من موقف مؤلم لدولة كنا نظنها وطنًا ثانيًا — الإمارات.*
فتح لها أهل السودان الأبواب والقلوب، وساهموا في نهضتها، لكنهم اليوم يتلقّون منها الطعن، والدعم لمن يفتك بوطنهم.
ومع ذلك، نُعيد القول :سنُبقي الصوت عاليًا، ونرفض أن يُحاصَر الألم أو يُزيَّف،
فهذا السودان… وجعنا الجميل، وكرامتنا التي لا تُباع.






