العالم

من قم إلى العاصفة الأخيرة… نهاية علي خامنئي وبداية إيران المجهولة

فوري نيوز

علي خامنئي:  من قم إلى نهاية الحقبة
19 أبريل 1939 — 28 فبراير 2026

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أسقطت طائرات تحلّق في سماء طهران نحو ثلاثين قنبلة على مجمع سكني في شمال العاصمة، ولم يكن ما تبقّى منه إلا ركاماً متصاعداً منه الدخان، ومع الصمت الإيراني المريب الذي استمر ساعات، بات العالم يدرك ما لم تُعلنه طهران بعد: أن علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، قد لقي حتفه، كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل تاريخية لم يشهد الشرق الأوسط مثيلها منذ عقود.
غير أن فهم ما جرى في ذلك الصباح يستلزم العودة إلى الوراء بعيداً، إلى طفل وُلد في مشهد عام 1939، نشأ في كنف عائلة دينية تعاني ضائقة مادية، وتشرّب مبكراً من ينابيع الفقه الشيعي والحماس الثوري في آنٍ واحد. ذلك الطفل ارتحل إلى حوزات النجف وقم، التقى هناك بشيخ لم يكن بعد قد ارتدى عباءة التاريخ، ثم شارك معه في صنع ثورة غيّرت وجه المنطقة. وها هو اليوم يُغادر المشهد بالطريقة التي كثيراً ما تصنعها الأقدار لمن يُشكّلون التاريخ: مفاجئاً ودراماتيكياً وعلى قمة الصراع.

الجذور: مشهد والحوزة وبذور الثورة

وُلد علي الحسيني الخامنئي في التاسع عشر من أبريل 1939 بمدينة مشهد، كبرى مدن إيران الدينية، التي تحتضن ضريح الإمام علي بن موسى الرضا وتجذب سنوياً ملايين الحجاج الشيعة من أرجاء العالم، كانت الأسرة تعيش على الكفاف؛ والده جواد رجل علم هاجر من تبريز، وأمه خديجة حافظة للقرآن شغوفة بالأدب الفارسي، روت لاحقاً أنها كانت تخيط لأبنائها ملابس من بقايا الأقمشة لأن الميسور لم يكن في متناول يدها، ذلك الفقر المعاش يومياً لم يمر دون أن يترك أثره العميق في وجدان الشاب علي.
في التاسعة عشرة من عمره كان قد أتمّ مرحلة الدراسة الدينية الأولى في مشهد، فارتحل إلى النجف وكربلاء العراقيتين، حيث تعلّم في حضرة كبار المراجع، ثم توجّه إلى قم التي كانت تموج حينها بمناخات فكرية وثورية متصاعدة، في تلك الحقبة التقى لأول مرة بروح الله الخميني، الفقيه الذي كان بدأ يُطوّر نظريته الجريئة عن ‘ولاية الفقيه’ والدولة الإسلامية. وكان خامنئي شاباً يجمع بين شغف فقهي حقيقي وحماس ثوري يتشكّل يوماً بعد يوم، معجباً في الوقت ذاته بنموذج جمال عبد الناصر في مناهضة الهيمنة الغربية، ومتأثراً بأطروحات سيد قطب حول مشروعية الدولة الإسلامية.

الخميني والمريد: شراكة أعمق من علاقة الشيخ بطالبه

لم تبدأ علاقة خامنئي بالخميني في لحظة الثورة؛ بل سبقتها بأكثر من عقدين من التلمذة المشتركة والنضال، تعلّم خامنئي الفقه والأصول على يد الخميني في قم، وسرعان ما تحوّلت تلك الصلة الأكاديمية إلى رفقة ثورية في مواجهة نظام الشاه. فيما بين عامَي 1960 و1979 اعتُقل خامنئي ست مرات على يد جهاز السافاك الاستخباراتي، تعرّض خلالها للتعذيب والإهانة والنفي الداخلي، لكنه في كل مرة كان يعود إلى الميدان أكثر صلابة وأشد إصراراً.
في تلك السنوات الصعبة اضطلع خامنئي بدور المكتب التبليغي للخميني؛ ينقل رسائله بين المدن الإيرانية، ويروّج لتعاليمه في الأوساط الحوزوية والشعبية، ويجنّد الشباب الذين سيشكّلون لاحقاً عصب الثورة، تلك المهمة المحفوفة بالمخاطر أثبتت للخميني أن خامنئي يمتلك صفات نادرة: الأمانة ومقاومة الإغراء والقدرة على الحفاظ على الشبكات في الخفاء.
حين انتصرت الثورة في فبراير 1979 كان خامنئي واحداً من الدائرة الضيقة المقرّبة من الخميني، تولّى قيادة فصائل الحرس الثوري في بداياته، ثم منصب وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة، وفي يونيو 1981، وبينما كان يلقي خطاباً في مسجد، انفجر مسجّل صوتي مخبأ خلفه كانت منظمة مجاهدي خلق قد زرعت فيه قنبلة. أصيبت يده اليمنى بشلل دائم، وعانى جروحاً بالغة في صدره. ذلك الجرح الذي آثره إلى آخر حياته صار رمزاً استُثمر في خطاب الجمهورية الإسلامية طويلاً.
بعد اغتيال الرئيس رجائي ورئيس وزرائه باهنر في أغسطس من العام ذاته، رشّح الخميني خامنئي لرئاسة الجمهورية. فاز بأكثر من ستة عشر مليون صوت وتولّى الرئاسة في عزّ حقبة الحرب الإيرانية العراقية الطاحنة (1980-1988)، تلك الحرب التي أودت بأرواح مئات الآلاف وكان خامنئي يتردد على جبهاتها بزيّه العسكري، وفي حزمة تلك الفوضى الدموية والعسكرية نضجت شخصيته القيادية، وترسّخت قناعاته عن طبيعة الدولة والتهديد الخارجي والأولويات الاستراتيجية.

المرشد: كيف بنى إمبراطوريةً من مكتبه

حين أسلم الخميني روحه في الرابع من يونيو 1989، وقف مجلس الخبراء أمام معضلة فعلية: المرشح الطبيعي للخلافة آية الله منتظري كان قد أُقصي في اللحظة الأخيرة بسبب خلافات حادة مع الخميني. بعض أعضاء مجلس الخبراء استذكروا تصريحاً أدلى به الخميني قبيل وفاته مُشيراً إلى خامنئي. ادّعى رفسنجاني أنه سمع الخميني يُوصي بخامنئي شفهياً. وهكذا جاء الاختيار ممزوجاً بين الوصية الضمنية والحسابات السياسية.
ثمة إشكالية لافتة رافقت البداية: كان خامنئي آنذاك ‘حجة الإسلام’ لا آية الله، أي أنه لم يبلغ الدرجة الدينية المطلوبة نظرياً لمنصب الولي الفقيه. تجاوز الدستور المعدّل تلك الشرطية، وأعلن مكتب خامنئي لاحقاً ترقيته إلى درجة آية الله عظمى، غير أن الطعن الديني في مرجعيته ظل يرافقه طويلاً في أوساط رجال الدين التقليديين.
لكن خامنئي لم يُضعضع ذلك من عزيمته في بناء سلطة متينة. بنى بصبر ممنهج مؤسسات موازية تعلو على الحكومة المنتخبة: الحرس الثوري الذي تضخّمت إمبراطوريته الاقتصادية حتى باتت تُقدَّر بمئات المليارات، والقضاء الذي صار أداة في يده لاحتواء المعارضين، ومجلس صيانة الدستور الذي يُصفّي المرشحين قبل أي انتخابات. وفيما ظلّت رئاسة الجمهورية مؤسسة تنفيذية تُنفّذ لا تقرّر، كان المكتب الرئيسي لخامنئي يمثّل الدولة العميقة الحقيقية.
واللافت أن خامنئي لم يغادر إيران طوال سبعة وثلاثين عاماً من مرشديته. آخر خروج له كان إلى كوريا الشمالية عام 1989 حين كان لا يزال رئيساً. من ذلك المكتب الثابت أدار ملفات بالغة الخطورة والتعقيد، بدءاً من الاحتجاجات الطلابية عام 1999، مروراً بالانتفاضة الخضراء 2009 التي خرجت فيها الملايين طاعنةً في شرعية حكمه، وصولاً إلى احتجاجات 2019 و’امرأة حياة حرية’ 2022 التي اخترقت فيها المرأة الإيرانية الخطوط التي رسمها النظام منذ ثورة 1979.

المعارضون: أصوات لا تُسكت

لم تعرف إيران يوماً سكوناً حقيقياً طوال ثلاثة عقود ونيّف من مرشدية خامنئي. كان الاحتجاج يولد في كل جيل من رحم الأزمة السابقة. في 1999 احتجّ الطلاب فعوقبوا بالسجن والطرد. في 2009 خرجت ‘الموجة الخضراء’ رافضةً انتخابات زعمت زوراً، وهتف فيها الناس لأول مرة بصراحة: ‘مرگ بر خامنه‌ای’ أي ‘الموت لخامنئي’. في 2019 نزل الناس احتجاجاً على غلاء المعيشة فجوبهوا بنار الأمن، وقدّرت منظمات حقوقية أن أكثر من 1500 شخص قتلوا في أيام قليلة.
وفي 2022 كانت الشرارة جثة فتاة تدعى مهسا أميني أودت بها شرطة الإرشاد في مراكز احتجازها. لكن هذه المرة كانت المرأة الإيرانية في طليعة المشهد تخلع حجابها في الشوارع وتحرقه أمام الكاميرات، في مشهد أربك النظام وكشف أن الكتلة الاجتماعية التي بنى عليها خامنئي شرعيته قد تآكلت. ومع مطلع 2026 اندلعت احتجاجات جديدة مدفوعة بانهيار اقتصادي حاد وانخفاض حرّ في قيمة الريال، وكان شعار ‘لا غزة لا لبنان روحي فداء إيران’ تعبيراً جلياً عن رفض سياسة دعم الوكلاء على حساب الاقتصاد الوطني المنهك.
في مواجهة كل تلك الموجات اعتمد خامنئي منهجاً ثابتاً: المرونة الظاهرية في السماح ببعض المسافة، ثم الانقضاض الحاد حين يصل الأمر إلى خط بعينه. وقد أتقن التلاعب بين الجناح الإصلاحي والمحافظ داخل النظام كلما احتاج إلى صمّام ضغط يُفرغ فيه الغضب الشعبي دون أن يمس قلعته هو.

محور المقاومة : عقيدة الإنهاك الممتد

لا يمكن فهم استراتيجية خامنئي تجاه إسرائيل وأمريكا من معزل عن الطريقة التي نظر بها إلى طبيعة الصراع، كان يرى أن إيران لا تملك القدرة على مواجهة مباشرة مع قوة عظمى وحليفها الإقليمي، لكنها تستطيع استنزافهما عبر إيجاد جبهات موزّعة تُكلّفهما في كل مكان دون أن تتحمّل هي وزر الحرب المفتوحة، تلك كانت جوهر عقيدة ‘الإنهاك الممتد’ التي بنى عليها ‘محور المقاومة’.
حزب الله في لبنان يضغط شمالاً على إسرائيل بالصواريخ والتهديد المستمر، الحوثيون في اليمن يُضيّقون على الملاحة البحرية في البحر الأحمر ويُشكّلون ورقة ضغط اقتصادية على الغرب، الفصائل في العراق تُبقي الأمريكيين في حالة استنفار دائم وتُهدد خطوط إمداداتهم، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين تُذكّران العالم بأن القضية حيّة، صرّح خامنئي أن إسرائيل ‘لن تعيش خمسة وعشرين سنة أخرى’، وكان يظن أن منظومة الإنهاك هذه كفيلة بتحقيق ذلك.
غير أن حرب غزة 2023-2024 فجّرت تلك المعادلة من الداخل، أُنهكت حماس وشُرذمت قياداتها، وفي لبنان تلقّى حزب الله الضربة الأشد في تاريخه، ولقي أمينه العام حسن نصر الله مصرعه وتراجعت قدراته العسكرية بصورة لافتة، وفي سوريا سقط نظام الأسد الذي كان يشكّل جسراً لوجستياً حيوياً لإيران نحو لبنان، وجد خامنئي نفسه ينظر إلى محوره وقد تهاوى ركيزةً إثر أخرى.
أما العداء مع أمريكا فكان منهجياً وعميقاً، وصفها خامنئي بـ’الشيطان الأكبر’ الساعي لإعادة فرض هيمنته على المنطقة تحت مسمّيات مختلفة، رفض الانسحاب الأمريكي من المنطقة إلا بشروط تُكرّس النفوذ الإيراني، وكان اغتيال قاسم سليماني عام 2020 طعنةً عميقة في بنية قيادة محور المقاومة، إذ كان سليماني المهندس الميداني الأول للشبكة التي بناها خامنئي عبر عقود.

الهجوم على العواصم العربية

في خضم الحرب التي اشتعلت في مطلع 2026، أطلق الحرس الثوري عملية ‘الوعد الصادق 4’ رداً على الغارات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة. لكن هذه المرة لم تقتصر الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل وحدها، بل امتد نطاق العملية ليطال الإمارات والسعودية والبحرين وقطر والكويت والأردن وإقليم كردستان العراق. أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنها تصدّت لـ137 صاروخاً و209 طائرة مسيّرة، وطالت شظايا الاعتراض معالم بارزة كنخلة جميرا ومطار دبي وأجواء أبوظبي.
الرواية الإيرانية الرسمية قالت إن الضربات لا تستهدف الدول بذاتها بل القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها؛ فقاعدة الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة العديد الجوية في قطر وقواعد الإمارات والكويت كانت جميعها إما منطلقاً للعمليات الأمريكية أو ممرّاً لوجستياً للضغط على إيران. غير أن هذا التبرير لم يُقنع المنطقة التي رأت فيه تصعيداً غير مسبوق يمس أراضيها وأجواءها وأمنها.
لكن لماذا هذه الدول تحديداً بمعزل عن القواعد؟ الإجابة تقع في قلب الاستراتيجية الإيرانية: فخلال السنوات الأخيرة شهدت علاقات الخليج العربي إسرائيل تحولاً ملموساً نحو التطبيع الضمني، وهو ما عدّه خامنئي انضماماً فعلياً إلى المنظومة المعادية لإيران. كما رأت طهران في التعاون الخليجي الأمريكي لتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني عبر العقوبات جزءاً من الحرب الممتدة. وهكذا كانت الضربات رسالةً مزدوجة: توجيه ضربة لوجستية للأمريكيين ورسائل بالغة الوضوح للعواصم العربية مفادها أن أي انحياز ضد إيران له ثمن مباشر.
وقفت دول الخليج في حيرة استراتيجية حادة: أدانت الهجمات بشدة وطالبت بتحمّل إيران مسؤولياتها، لكنها كانت تُدرك أن المواجهة المفتوحة ستكون أعلى ثمناً من الصبر. وصفت الرياض الضربات بأنها ‘جبانة وسافرة’، ووصفتها قطر بأنها ‘انتهاك صارخ للسيادة’. لكن الجميع كان يرقب ما سيحدث في طهران.

لحظة المصير: مقتل خامنئي ودلالاته

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، كان خامنئي يترأس اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى في مجمع إقامته شمال طهران حين حدّدت استخبارات متعددة مساره بدقة وصفها المسؤولون بأنها ‘فريدة من نوعها’. أُسقطت نحو ثلاثين قنبلة على ذلك المجمع في غارة مشتركة، تأخّرت إيران ساعات عن الإقرار بما جرى. ومع صباح الأول من مارس 2026 أذاع التلفزيون الرسمي خبر وفاة المرشد.
لم يكن مقتل خامنئي مجرد حدث عسكري، بل كان اختراقاً استراتيجياً للمنطق الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية طيلة ثلاثة وأربعين عاماً: أن الرأس محصّن ومحاط بطبقات من الحماية تجعل الاغتيال ضرباً من المستحيل. حين انكسر ذلك المحرّم، انهار معه جزء من الرهبة التي دفع بها خامنئي خصومه بعيداً.
الدلالة الثانية هي في توقيت الحدث: جاء في لحظة كان فيها محور المقاومة في أضعف حالاته منذ تشكّله، ومع استمرار الضربات العسكرية على البنية التحتية الإيرانية، والاقتصاد في انهيار حرّ، والاحتجاجات الداخلية لم تُطفأ. يعني ذلك أن خليفته سيرث بناءً متصدّعاً في وسط العاصفة، لا في أوقات البناء والهدوء التي ورث فيها خامنئي نفسه ثورة الخميني.
الدلالة الثالثة أعمق: أن المعادلة الإقليمية التي صاغها خامنئي على مدى عقود، وقائمة على الإنهاك والوكلاء والتوازن غير المتماثل، قد ضُربت في عقرها. وأن الجانب الآخر في الصراع قرّر أخيراً قطع خيوط تلك الشبكة من رأسها مباشرة.

ماذا بعد؟ إيران في مواجهة الفراغ

أعلنت إيران الحداد أربعين يوماً، وتعطيل الدوائر الرسمية لأسبوع، وبموجب الدستور الإيراني انتقلت إدارة البلاد مؤقتاً إلى لجنة ثلاثية تضم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور، ريثما يختار مجلس الخبراء المرشد الجديد، وقال المحلل السياسي حسين ريوران إن الاختيار قد يُنجز في غضون أيام قليلة، مشيراً إلى أن إيران دولة مؤسسات لن يتوقف مسارها الداخلي على حالة الحرب الراهنة.
تواجه إيران اليوم ثلاثة سيناريوهات متقاطعة: الأول هو صمود النظام بمرشد جديد وإعادة تجميع الصفوف، وهذا السيناريو يحتاج شخصية تجمع الشرعية الدينية والقبول العسكري والثقل السياسي، وهو ما ليس بالأمر اليسير في ظرف كهذا. الثاني هو أن تُفضي الضربات المستمرة والاحتجاجات الداخلية إلى تحوّل سياسي من داخل النظام، أي تصفية حسابات بين أجنحة النخبة تُعيد رسم ملامح الجمهورية. الثالث هو الانفتاح على مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة وإسرائيل يُوقف الحرب مقابل تنازلات جوهرية في الملف النووي والوجود الإقليمي.

الخليفة المحتمل : من يملأ ذلك الفراغ؟

أشارت مصادر رويترز إلى أن لجنة من أعضاء مجلس الخبراء كان خامنئي نفسه قد عيّنها قبل عامين لتحديد خليفته، وكانت قد سرّعت وتيرة اجتماعاتها منذ اندلاع التصعيد العسكري في يونيو الماضي، وتتمحور المداولات حول ثلاثة أسماء رئيسية.
مجتبى خامنئي — الاستمرارية الأسرية
الابن الثاني للمرشد الراحل، البالغ ستة وخمسين عاماً، هو الاسم الأكثر تداولاً في الدوائر الأمنية والعسكرية. بنى على مدار سنوات شبكة نفوذ وثيقة داخل الحرس الثوري وقوات الباسيج، وكان يُدير عمليات مؤسسات موازية من خلف الستار. مزيّته الكبرى أنه يضمن استمرارية النهج دون انقطاع. غير أن عيبه أن تولّيه سيُقرأ وراثةً أسريةً مكشوفة، وهو ما يُثير إشكاليات عقدية عند فقهاء الولاية الفقيهة الذين يرون أن المنصب لا يجوز أن ينتقل في سلالة عائلية، فضلاً عن أن حمله العلني لمنصب المرشد سيجعله هدفاً أوضح في زمن الحرب.

حسن خمينئي — الشرعية النسبية

حفيد الإمام الخميني المؤسس، ويمثّل خياراً نادراً يجمع بين الشرعية الرمزية العالية والمرونة السياسية النسبية. تُشير بعض المصادر إلى أنه أكثر انفتاحاً من مجتبى، مما يجعله مقبولاً لدى أجنحة من النخبة تسعى إلى تعديل المسار دون تفجير البناء الكامل للنظام. لكنه يفتقر إلى القاعدة العسكرية والأمنية الراسخة التي يمتلكها مجتبى، وهو عامل حاسم في زمن الحرب.

المرشد المؤسسي — خيار الحرس

يتحدث بعض المحللين عن احتمال أن يختار مجلس الخبراء في هذه اللحظة الحرجة شخصية دينية ذات ثقل حوزوي مقبول من جميع الأجنحة، تعمل بالتوافق مع قيادة الحرس الثوري وتُؤجّل صراعات الخلافة الحقيقية إلى مرحلة الاستقرار، وهذا السيناريو لا يُقدّم مرشداً قوياً بقدر ما يُقدّم إدارة جماعية للأزمة تحت غطاء ديني.

نهاية حقبة وبداية مجهول

ارتحل علي خامنئي وهو في السابعة والثمانين من عمره، بعد سبعة وثلاثين عاماً في قمة نظام بالغ التعقيد، خلّف وراءه برنامجاً نووياً يقف اليوم على حافة الانتزاع، ومحوراً إقليمياً تصدّعت أركانه، واقتصاداً أنهكته العقوبات والسوء والحرب، وشعباً يجمع بين الحداد على رمز وطني والأمل في أن تفتح رحلته إلى القبر باباً لمرحلة مختلفة.
الأرجح أن الساعات والأيام المقبلة ستشهد سباقاً محتدماً بين جناحين: جناح يريد المضيّ في مسار المواجهة انتقاماً وصوناً لكرامة الدولة، وجناح يرى أن الضربة التي فقدت فيها إيران مرشدها هي اللحظة المناسبة لتجرّع كأس التفاوض على غرار ما فعله الخميني عام 1988 حين قبل وقف إطلاق النار مع العراق وهو ‘كمن يتجرّع السمّ’.
ما يقوله الرئيس الأمريكي ترامب بأنه ‘يعرف من يريد أن يحكم إيران’ يُشير إلى أن الضغط الخارجي لن يتوقف عند اغتيال المرشد، بل إنه يُريد أن يُشكّل ملامح ما يأتي بعده أيضاً. وهذا بالضبط ما جعل اختيار الخليفة في هذه اللحظة بالذات رهاناً وجودياً حقيقياً لمستقبل الجمهورية الإسلامية برمّتها.

 

#العالم #ايران #خاميني #فوري نيوز

مصادر: الجزيرة | CNN عربية | العربية | رويترز | ويكيبيديا العربية | وول ستريت جورنال | اليوم السابع | RT عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى