مقالات وتقارير

كباشي… تتغير العناوين ويبقى الأثر ..

فوري نيوز

اقرا في هذا المقال

جدول المحتويات

حدود المنطق..

إسماعيل جبريل تيسو..

 

عاصفة من التفاعل، ضربت منصات التواصل الاجتماعي عقب تعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي مساعداً للقائد العام لشؤون التخطيط والبناء، وتأتي هذه العاصفة في زمنٍ تُقاس فيه المكانة بالمناصب، وتُوزن فيه الأدوار بميزان من (صعد ومن تراجع) لتكشف عن شيءٍ أعمق من مجرد تبديل مواقع، إلى وجدانٍ عام يرى في الفريق شمس الدين كباشي أكثر من رتبة، وأكثر من منصب.

الـ”تايم لاين” لم يكن صامتاً، بل ضجّت تفاصيله بين محبط متسائل، ومتحفّظٍ متفاجئ ومندهشٍ حائر من انتقال الرجل من موقع نائب القائد العام إلى موقعٍ يبدو في ظاهر التراتبية أقل تقدماً، لقد دار نقاشٌ كثيف، يكاد يختصر علاقة الشارع السوداني بمؤسسته العسكرية في هذه اللحظة المفصلية، فقد قرأ كثيرون الخطوة باعتبارها تراجعاً، مستندين إلى منطق الأقدمية العسكرية، حيث يأتي كباشي مباشرة بعد القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وهو منطقٌ مفهوم في سياق الجيوش الكلاسيكية التي تحكمها صرامة التدرج والبروتوكول.

لكن، هل كل انتقالٍ في الموقع يُعد تراجعاً؟ أم أن بعض التحولات هي في جوهرها إعادة تموضعٍ ذكي في ميدانٍ تتغير خرائطه؟، إن المعطيات التي تتوفر خلف الكواليس ترسم صورة مختلفة تماماً، فالتشكيلة الجديدة لم تكن نتاج قرارٍ فوقي مفاجئ، بل جاءت بحسب معلومات مؤكدة، ثمرة توافقٍ كامل بين أطراف القيادة العسكرية، نزولاً عند مقتضيات مرحلة دقيقة، تتطلب إعادة توزيع الأدوار وفقاً للكفاءة، لا الأقدمية، وللاحتياج لا البروتوكول، إنها لحظة كسر القالب التقليدي، حيث يُعاد تعريف النفوذ ليس بموقعه في الهيكل، بل بتأثيره في الفعل.

من هنا، يصبح انتقال الفريق شمس الدين كباشي إلى ملف التخطيط والبناء ليس تراجعاً، بل تقدماً في الاتجاه الأكثر حساسية: حيث تُصاغ الرؤية، وتُرسم الاستراتيجيات، وتُبنى ملامح الجيش القادم، ذلك أن المعركة اليوم لم تعد فقط في خطوط التماس، بل في غرف التخطيط، ومراكز القرار، ومختبرات التصنيع الحربي، ومساحات الانفتاح الإقليمي والدولي، إنها نقلة وتفكير خارج الصندوق يستشرف صناعة المستقبل.

ولعل اللافت في كل هذا الجدل، أنه أعاد تسليط الضوء على مكانة الفريق شمس الدين كباشي في الوجدان العام، فحجم التعاطف، وحرارة النقاش، وكثافة التفاعل، لم تكن لتحدث لولا أن الرجل يحظى برصيدٍ عالٍ من الثقة والمحبة، ليس فقط وسط الجماهير، بل داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بين الضباط وضباط الصف والجنود، ذلك الرصيد الذي لا يُمنح بقرار، بل يُبنى عبر سنوات من الأداء، والاحتكاك بالميدان، والقدرة على الحضور في اللحظات الصعبة، إنه القبول الذي لا تصنعه المناصب، بل تصنعه المواقف.

كباشي “يحفظ لوحه تماماً” نقول ذلك لمعرفتنا بالرجل وقدراته المهنية والإدارية، وهو ليس توصيف عابر، بل مفتاحٌ لفهم الرهان على كباشي في هذه المرحلة، فالتخطيط الاستراتيجي هو علمُ قراءة المستقبل من بين سطور الحاضر، وهو المجال الذي يحتاج إلى عقلٍ يجمع بين الخبرة الميدانية والرؤية البعيدة، والجنرال وفق مسيرته المهنية والأكاديمية ليس بغريبٍ عن هذا المضمار، والفكرة المهمة في هذا المنحى تقول إن الدول، حين تدخل مراحل التحول الكبرى، تضطر أحياناً إلى كسر قواعدها التقليدية، ليس ضعفاً فيها، بل استجابةً لضرورة أعلى، “أن يُعطى الخبز لخبازه” ليست مجرد حكمة دارجة، بل مبدأ إداري واستراتيجي، يضع الشخص المناسب في المكان الذي يحتاجه الوطن، لا في المكان الذي تمليه التراتبية.

وعليه، فإن قراءة التشكيلة الجديدة للقوات المسلحة ينبغي ألا تُختزل في سؤال: “من تقدم ومن تأخر؟”، بل في سؤالٍ أعمق: “هل وُضعت الكفاءات في مواقعها الصحيحة لخدمة الهدف الأكبر؟” وفي هذا السياق، يبدو أن ما جرى ليس إعادة ترتيب أشخاص، بل إعادة تعريف أدوار، وليس انتقال كباشي إلا جزءاً من لوحةٍ أكبر، عنوانها: جيشٌ أكثر مهنية، وأكثر انخراطاً في التخطيط الاستراتيجي، وأكثر استعداداً للانفتاح على محيطه الإقليمي والدولي، وفي نهاية المطاف، قد تُغيّر المناصب مواقعها، لكن الرجال الذين يصنعون أثرهم الحقيقي، يظلون في المقدمة، مهما تغيّرت العناوين.

 

#كباشي #تيسو #فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى