إقتصاد

الدولار عند بوابة الجمارك… والفاتورة على مائدة المواطن..

فوري نيوز

قراءة هادئة لقرار حظر السلع

د. عثمان حامد عبد القادر يكتب:

حظر استيراد 46 سلعة لا يبدأ أثره من الميناء، ولا ينتهي عند نموذج التخليص الجمركي.. فأثره الحقيقي سيظهر في سعر جوال الذرة، كيس الدقيق، تكلفة الأعلاف، طن الأسمنت، عبوة الصابون، قفة الملاح، وقدرة المصنع الصغير على الحصول على خاماته.
حين تدخل سلع غذائية وإنشائية وإنتاجية في قائمة واحدة مع العطور والشوكولاتة والألعاب، يصبح القرار اختبارا لسؤال اقتصادي مباشر:

هل سيخف الضغط على الدولار، أم ستنتقل الكلفة إلى السوق والمستهلك؟

الدافع النقدي للقرار مفهوم، وهو ان السودان يواجه فجوة واضحة بين السعر المصرفي وسعر السوق الموازي، وهي فجوة تكشف اختلالا في عرض النقد الأجنبي وطلبه.
تقرير برنامج الأغذية العالمي لمراقبة الأسواق في السودان، الصادر في أبريل 2026 استنادا إلى بيانات مارس، أورد أن سعر الدولار في السوق الموازي بلغ 3,625 جنيها، وأن سعره في البنوك التجارية بلغ 3,100 جنيه. الفارق بين السعرين يقارب 17%، مع تراجع سنوي في قيمة الجنيه بالسوق الموازي بنسبة 43%. هذه الأرقام تعطي الحكومة مبررا اقتصاديا لترشيد الاستيراد، خاصة في السلع التي تستهلك الدولار دون ارتباط مباشر بالغذاء أو الإنتاج أو إعادة الإعمار.
المشكلة تبدأ من تركيبة القائمة.. العطور، مستحضرات التجميل، الشعر المستعار، الشوكولاتة، الألعاب، الزهور وبعض السلع الترفيهية يمكن أن يخفض طلبا استهلاكيا محدود الأثر على معيشة غالبية الأسر. إدراج الأرز، الفول، الخضر، الفواكه، الأعلاف، الأسمنت، ألواح الزنك، الدهانات، الصابون، العبوات، والمواد الخام للشركات يضع القرار في مساحة مختلفة، فهذه سلع تدخل في الغذاء والبناء والإنتاج الحيواني والتعبئة والنشاط الصناعي، والتعامل معها كسلع قابلة للاستغناء السريع يرفع مخاطر الندرة والتضخم.
بيئة الأسعار الحالية تجعل القرار حساسا، فالتضخم السنوي تراجع إلى 40.22% في مارس 2026 من 56.39% في فبراير، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء التي نقلتها سودان تربيون، وهذا التراجع يعني تباطؤ وتيرة الزيادة، ولا يعني انخفاض الأسعار.. المصدر نفسه يوضح أن الغذاء والمشروبات يمثلان 52.89% من إنفاق الأسر السودانية،. والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 14.17%.. والنقل 8.34% أي زيادة في الغذاء أو الوقود أو مواد البناء ستصيب أكثر من ثلاثة أرباع ميزانية الأسرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
مؤشرات الغذاء تضيف طبقة أخرى من المخاطر. تكلفة سلة الغذاء المحلية لدى برنامج الأغذية العالمي بلغت 2,098 جنيها للوحدة في مارس 2026، بزيادة 21% على أساس سنوي. سعر الذرة الرفيعة وصل إلى 1,275 جنيها للكيلوغرام بعد زيادة شهرية 6.2%، وسعر دقيق القمح بلغ 3,388 جنيها للكيلوغرام، بزيادة سنوية 33%. عند هذه المستويات، حظر أي سلعة غذائية أو مدخل مؤثر في إنتاج الغذاء يحتاج إلى ثلاثة شروط: إنتاج محلي كاف، مخزون تجاري قابل للقياس، ونقل آمن بين الولايات. غياب أحد هذه الشروط يحول الحظر من أداة نقدية إلى صدمة عرض.
الأمن الغذائي يجعل الخطأ في التصنيف مكلفا، إذ نجد IPC يتوقع أن يواجه 19.1 مليون شخص، أي 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بين فبراير ومايو 2026 وهذه النسبة تعني أن سوق الغذاء لا يحتمل نقصا مصطنعا في المعروض أو زيادة كبيرة في تكاليف النقل والتمويل، فعندما يكون أربعة من كل عشرة سودانيين تحت ضغط غذائي مرتفع، يصبح إدراج الغذاء ضمن الحظر الشامل قرارا يحتاج إلى بيانات شهرية عن المخزون والإنتاج والطلب، لا إلى تصنيف إداري عام.
الأثر على الدولار سيكون مشروطا، فإذا انخفضت طلبات الاستيراد الرسمية، سيتراجع جزء من الطلب على النقد الأجنبي في الأسابيع الأولى، أما استمرار الأثر فيتوقف على قدرة الدولة على منع انتقال الطلب إلى السوق الموازي والتهريب.
السلع ذات الطلب المستمر لا تختفي بقرار إداري؛ نعم يتغير طريق وصولها إلى المستهلك، وتضاف إلى سعرها تكاليف التمويل، المخاطر، النقل غير النظامي، والعمولات، والنتيجة المحتملة ستكون انخفاض في الاستيراد الرسمي، ارتفاع في السعر النهائي، وتراجع في حصيلة الجمارك.

مواد البناء هي الأخرى تحتاج قراءة

منفصلة،فالأسمنت والزنك والدهانات ليست سلعا هامشية في مرحلة عودة المواطنين وترميم الأسواق والمنازل وفتح الورش، والبنك الدولي أشار في توقعاته لأبريل 2026 إلى أن الاقتصاد السوداني بدأ يظهر مؤشرات تعاف مبكر نتيجة عودة جزئية للنازحين، تحسن محدود في حركة السلع، وفتح أسواق محلية في مناطق أكثر أمنا، كما توقع نموا حقيقيا 5.5% في 2026، وارتفاع واردات السلع والخدمات 19% نتيجة تعافي الطلب المحلي واحتياجات إعادة الإعمار.. هذا يعني أن جزءا من الواردات القادمة ليس ترفا استهلاكيا، بقدر ماهو مدخل لإعادة تشغيل النشاط الاقتصادي.
الأعلاف كذلك تحمل أثرا غير مباشر على الغذاء.. وحظرها أو تقييدها دون بديل محلي كاف سيرفع كلفة تربية الدواجن والماشية، ثم ينتقل الأثر إلى أسعار اللحوم والبيض والألبان. هذه القناة لا تظهر دائما في اليوم الأول للقرار، لكنها تظهر خلال دورة الإنتاج التالية حيث سيضغط ارتفاع الأعلاف على المنتج الصغير أولا، لأنه لا يملك مخزونا كبيرا ولا قدرة تمويلية لحماية نفسه من تقلبات السعر.
أما مدخلات الإنتاج والمواد الخام والعبوات تمثل نقطة الخطر الأكبر.. إذ ان المصنع المحلي يحتاج إلى خامات، مواد تعبئة، قطع غيار، وقود، تمويل، ونقل.. و إذا شمل الحظر مواد خام أو عبوات تستخدمها الشركات، فإن السياسة التي يفترض أن تحمي الإنتاج المحلي قد تخفض إنتاجه، وحماية الصناعة تبدأ بفتح مدخلات الإنتاج بضوابط واضحة، ثم تقييد السلع النهائية الكمالية التي تستنزف الدولار دون تشغيل عمالة محلية أو رفع الطاقة الإنتاجية.
الجانب المالي ضاغط أيضا.

توقعات البنك الدولي تضع إيرادات الدولة عند 5.1% من الناتج المحلي في 2026، وهي نسبة محدودة قياسا باحتياجات الخدمات العامة وإعادة الإعمار، و أي انتقال للتجارة من القنوات الرسمية إلى التهريب يعني فقدانا مباشرا للرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة. في اقتصاد يعاني من ضيق الإيرادات، وسيشكل التهريب مشكلة تجارية مزمنة ونزيفا ماليا يضعف قدرة الدولة على الإنفاق.
المعالجة الأكثر كفاءة من وجهة نظرنا المتواضعة، تبدأ بإعادة تصنيف القائمة خلال 90 يوما.
المجموعة الأولى تضم الكماليات الصرفة، ويمكن حظرها مؤقتا، والمجموعة الثانية تضم السلع الاستهلاكية غير الأساسية، وتدار برسوم مرتفعة أو حصص استيراد محددة، أما المجموعة الثالثة فتضم الغذاء، الأعلاف، مدخلات الإنتاج، والمواد الإنشائية الأساسية، وتخضع لضوابط كمية وجمركية وسعرية شفافة مع استثناءات منشورة ومراجعة دورية.
نجاح القرار كذلك يجب أن يقاس بستة مؤشرات: فجوة سعر الصرف بين البنوك والسوق الموازي، أسعار الأرز والفول والدقيق والذرة، أسعار الأسمنت والزنك، أسعار الأعلاف، حجم الإنتاج المحلي، حصيلة الجمارك، وعدد ضبطيات التهريب.
وعليه، فإن انخفاض الطلب على الدولار مع استقرار الأسعار واستمرار الإنتاج سيعني أن القرار حقق نتيجة قابلة للدفاع عنها.
وان حدث ارتفاع للأسعار، وتراجعت الحصيلة العامة، واتسع السوق غير النظامي، فسيعني أن الكلفة انتقلت من الدولار إلى المواطن.
السياسة المطلوبة ليست حظرا واسعا بقدر ما هي فرز اقتصادي دقيق.. فالسلعة التي تستهلك النقد الأجنبي دون أثر على الغذاء أو الإنتاج أو إعادة الإعمار يمكن تقييدها. والسلعة التي تدخل في معيشة الأسر أو تشغيل المصانع أو ترميم المساكن يجب أن تعامل كجزء من استقرار السوق.
القرار الصحيح هو الذي يخفض الضغط على الدولار دون خلق ندرة، ودون دفع المستهلك إلى دفع فاتورة أعلى في الأسواق.

 

 

#السودان #الدولار الجمركي#حظر سلع#فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى