العودة تنعش العاصمة ..تحدي الخدمات..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
تحوَّل عيد الأضحى المبارك هذا العام من كونه مناسبة دينية بالنسبة لآلاف الأسر السودانية التي عادت إلى العاصمة الخرطوم، إلى محطة وجدانية استثنائية اختلطت فيها مشاعر الفرح بالحنين والامتنان، فبعد سنوات قاسية عاشها المواطنون بين النزوح واللجوء والترحال داخل السودان وخارجه، عاد كثيرون إلى منازلهم وأحيائهم ليحتفلوا بالعيد وسط الأهل والجيران، في مشهد اعتبره البعض إعلاناً عملياً عن عودة الحياة إلى العاصمة التي أنهكت مفاصلها آلة الحرب.
دور الجيش:
ويرى مواطنون أن الفضل في جعل هذه العودة ممكنة بعد عناية الله، يرجع إلى القوات المسلحة والقوات المساندة لها التي خاضت معارك طويلة انتهت بإبعاد ميليشيا الدعم السريع عن العاصمة وتأمينها، الأمر الذي أتاح للمواطنين فرصة استعادة جزء من حياتهم الطبيعية، ويقول المواطن عبد الإله عبد الله محمد، أحد العائدين من ولاية نهر النيل، إن أداء صلاة العيد، والقيام بعملية الذبح في الحي الذي غادره قبل أكثر من عامين كان حلماً بعيد المنال، مبيناً أن مجرد العودة إلى المنزل والالتقاء بالجيران والأصدقاء منح الأسر شعوراً بأن البلاد بدأت تتعافى تدريجياً، أما المواطنة آمنة خليفة (أم أحمد)، التي عادت من مصر قبل أشهر، فتصف العيد الحالي بالعيد المختلف، موضحة أن فرحة الأطفال بالعودة إلى منازلهم ومدارسهم وأحيائهم كانت أكبر من أي احتفال آخر، رغم استمرار التحديات الخدمية والمعيشية، غير أن هذه الفرحة بالعودة والاحتفاء بالعيد، لا تحجب حقيقة أن تطلعات المواطنين ما تزال أكبر، إذ يطالب كثيرون باستكمال العمليات العسكرية في المناطق التي ما تزال تحت سيطرة المتمردين، بدءاً من حمرة الشيخ التي تبعد نحو 300 كيلومتر عن مدينة أم درمان، وصولاً إلى بقية مناطق كردفان ودارفور، حتى تكتمل دائرة الأمن والاستقرار بصورة نهائية.
الخرطوم بعد التحرير:
وكانت القوات المسلحة قد أعلنت في مايو من العام الماضي 2025م، خلو العاصمة الخرطوم من أي وجود لميليشيا الدعم السريع، عقب معارك ضارية شهدتها منطقة الصالحة جنوب غرب أم درمان، والتي مثلت آخر معاقل الميليشيا داخل ولاية الخرطوم، وقد مثَّل ذلك الإعلان نقطة تحول كبيرة في مسار الحرب، حيث انتقلت الدولة من مرحلة العمليات العسكرية داخل العاصمة إلى مرحلة إعادة الإعمار واستعادة الخدمات وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، حيث تولَّى الفريق مهندس إبراهيم جابر قيادة اللجنة العليا الخاصة بتهيئة بيئة ولاية الخرطوم لاستقبال العائدين، حيث عملت اللجنة على إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية وبسط بعض الخدمات الأساسية وتأمين الأحياء السكنية وتسهيل حركة المواطنين، ومع تحسن الأوضاع الأمنية بدأت الخرطوم تستقبل موجات متزايدة من العودة الطوعية، سواءً من الولايات التي نزح إليها السكان أو من دول الجوار الإقليمي، فضلاً عن عودة أعداد من السودانيين المقيمين بالخارج، الأمر الذي أعاد الحركة إلى الأسواق والمرافق العامة والأحياء السكنية بعد فترة طويلة من الركود.
تحديات:
ورغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت العودة، إلا أن المواطنين واجهوا سلسلة من التحديات اليومية التي حدّت من سرعة التعافي الكامل، وفي مقدمة هذه التحديات تأتي أزمة الكهرباء التي ما تزال تشهد انقطاعات متكررة في عدد من المناطق، إضافة إلى مشكلات إمداد المياه التي دفعت بعض الأسر للاعتماد على البدائل المكلفة، كما تمثل الأزمة الاقتصادية الهم الأكبر للعائدين، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة كبيرة، في وقتٍ واصل فيه الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي انعكس مباشرة على تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء والدواء والخدمات، ويؤكد مواطنون أن العودة إلى الخرطوم كانت ضرورة اجتماعية ونفسية قبل أن تكون قراراً اقتصادياً، لكنهم يشيرون إلى أن استدامة العودة الطوعية تتطلب معالجة عاجلة لأزمات الخدمات والأسعار حتى لا تتحول معاناة الحرب إلى معاناة معيشية جديدة.
مخاوف:
وفي مقابل حالة الارتياح التي صاحبت استعادة الأمن، برزت خلال الفترة الأخيرة مخاوف وسط قطاعات من المواطنين بعد عودة بعض المنشقين عن ميليشيا الدعم السريع وانتشار قوات تابعة لهم داخل العاصمة، وأثار ظهور مجموعات مرتبطة بأسماء مثل النور القبة والسافنا تساؤلات عديدة وسط السكان الذين طالبوا بسحب المظاهر المسلحة من المدن، مؤكدين أن الخرطوم دفعت ثمناً باهظاً بسبب تجربة انتشار الميليشيات داخل الأحياء السكنية، حيث يستحضر كثير من المواطنين تجربة ما قبل اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م، حين كانت ميليشيا الدعم السريع تنتشر بصورة واسعة داخل العاصمة قبل أن تتمكن لاحقاً من السيطرة على نحو 90 بالمائة من الخرطوم في الأيام الأولى للحرب، ويرى هؤلاء أن استعادة الدولة لهيبتها تتطلب وجود قوة نظامية واحدة تحت قيادة القوات المسلحة، بما يضمن عدم تكرار السيناريوهات التي قادت إلى الانفجار الأمني الذي ماتزال البلاد ترزح تحت وطأته حتى الآن.
أسئلة الشارع:
وفي الوقت الذي يحتفل فيه سكان الخرطوم بعودة الحياة إلى مدينتهم، تتزايد التساؤلات بشأن أسباب بطء التحرك نحو بعض المناطق التي ما تزال تشهد وجوداً لمتمردي الدعم السريع، ويتساءل مواطنون عن توقيت العمليات المرتقبة في حمرة الشيخ وبارا والخوي والنهود، خاصة بعد النجاحات التي حققتها القوات المسلحة في فك الحصار عن مدينة الدلنج وكسر الحصار عن ولاية جنوب كردفان، بالإضافة إلى الانتصارات المتلاحقة التي يشهدها إقليم النيل الأزرق، كما يطرح البعض تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تقوم به المجموعات المنشقة عن الدعم السريع، وعلى رأسها قوات النور القبة والسافنا، ولماذا لا تشارك في خطوط القتال الأمامية طالما أعلنت انحيازها للقوات المسلحة، مثلما فعلت قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل الذي انسلخ عن مليشيا الدعم السريع وانضم إلى القوات المسلحة، حيث لعبت قواته دوراً بارزاً في استعادة مدينة ود مدني وطرد الميليشيا من ولاية الجزيرة والمشاركة في العمليات العسكرية بكردفان وتخوم دارفور.
الحفر بالإبرة:
ووفقاً لخبراء عسكريين فإن القوات المسلحة مازالت تتبع نهجها القائم على مبدأ ( الحفر بالإبرة) والذي نجحت فيه طوال الثلاث أعوام الماضية في هزيمة المليشيا المتمردة وإخراجها من العاصمة ومن وسط البلاد، وحصرها في جيوب معلومة في كردفان ودافور، منوهين إلى أن نهج الجيش يقوم على تثبيت المكاسب التي تحققت في العاصمة والولايات المستعادة قبل الانتقال إلى مراحل جديدة من العمليات الهجومية، ويعتقد الخبراء أن أي تحرك نحو مناطق كردفان ( شمالها وغربها) والتوجه إلى دارفور، يتطلب ترتيبات لوجستية وأمنية معقدة نظراً لاتساع رقعة العمليات وطبيعة الأرض وخطوط الإمداد، وهو ما قد يفسر جانباً من التأخير الذي يثير تساؤلات المواطنين، وفي المقابل، فإن استمرار وجود جيوب للمتمردين في بعض المناطق يُبقِي حالة القلق قائمة وسط المواطنين الذين يرون أن اكتمال الاستقرار لن يتحقق إلا بإغلاق جميع جبهات القتال وإنهاء التهديدات الأمنية بصورة قاطعة ونهائية.
خاتمة مهمة:
علي كلًّ.. فما بين فرحة العيد وذكريات النزوح واللجوء، يعيش سكان الخرطوم مرحلة انتقالية تحمل كثيراً من الأمل والتحديات في آن واحد، فعودة المواطنين إلى العاصمة أعادت نبض الحياة إلى الشوارع والأسواق والأحياء، ورسخت شعوراً عاماً بالامتنان للقوات المسلحة والقوات المساندة التي مهَّدت الطريق لهذه العودة، لكن هذه العودة تظل مرتبطة باستكمال معركة الاستقرار، سواء عبر تحسين الخدمات ومعالجة الضائقة المعيشية أو عبر حسم ما تبقى من بؤر التمرد ومنع عودة أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة، وفي الوقت الذي يستعيد فيه السودانيون أجواء العيد في عاصمتهم، تبقى الأنظار متجهة نحو ميادين القتال في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، حيث يرى كثيرون أن هناك تُكتب الفصول الأخيرة من الحرب، وهناك أيضاً يتحدّد شكل السلام الميمون الذي ينتظره أهل السودان.
فوري نيوز# الخرطوم# عودة المواطن






