
سارة الطيب تكتب:
ثمة شيء ما يجري أمام أعيننا. قد يختلف الناس حول تفسيره، لكن يصعب تجاهل ملامحه.
فهناك عملية تبدو وكأنها تسير بخطوات محسوبة تستهدف الجيش، ليس عبر المواجهة المباشرة، وإنما عبر تفكيك حواضنه العسكرية والسياسية والشعبية، بل وحتى الجهاز التنفيذي الذي يفترض أن يشكل أحد أهم روافعه في هذه المرحلة الحرجة.
الحاضنة العسكرية تتعرض لاستنزاف بطيء ودقيق، وكأن هناك من يمارس ضدها سياسة “الحفر بالإبرة”. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها في كثير من الجبهات، وبدأت تتكشف الأدوار التي لعبتها بعض التشكيلات المساندة للجيش في معركة الكرامة، انطلقت حملة لا تهدأ لتجريد هذه القوى من رصيدها المعنوي.
بدأت بكتائب البراء التي لا يستطيع منصف إنكار دورها في صد التمرد، ثم انتقلت إلى قوات درع السودان التي لم يسلم قائدها من الاتهامات والمطالبات بالمحاكمة، حتى أصبح أي خطأ فردي يُراد له أن يتحول إلى إدانة جماعية لقوة كاملة.
ثم جاء الدور على القوات المشتركة تلك القوات التي كانت رأس الرمح في أكثر من معركة، وصاحبة إسهام واضح في الانفتاحات العسكرية الكبرى التي أعادت للجيش مساحات واسعة من الأرض، من تخوم القضارف مرورًا بسنار والجزيرة والخرطوم وحتى النيل الأبيض.
فجأة أصبحت هذه القوات محل تشكيك وتخويف وتحذير، وكأن المطلوب محو كل ما قدمته من تضحيات من الذاكرة العامة.
ولم تتوقف الحملة عند هذا الحد. فقد امتدت إلى المقاومة الشعبية والمستنفرين، الذين حملوا السلاح يوم عزّ الرجال.
وأصبحت بعض الحوادث الفردية مادة لحملات منظمة لا تستهدف الواقعة نفسها بقدر ما تستهدف تشويه الفكرة كلها، وضرب العلاقة بين الجيش ومن هبوا لمساندته في أحلك الظروف.
بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى استهداف أولئك الذين تركوا معسكر التمرد وانحازوا إلى الدولة. فكل من جاء إلى صف الجيش أصبح مشروع متهم حتى تثبت براءته. تشكيك في النوايا، وتخوين في المقاصد، وترويج لسيناريوهات سوداء لا تنتهي. وكأن المطلوب ليس فقط حرمان الجيش من حلفائه، بل حرمانه حتى من المكاسب التي حققها باستقطاب خصوم الأمس إلى معسكر الدولة.
وعلى الجبهة السياسية لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا. فالكتلة الديمقراطية، التي ظلت تمثل أكبر حاضنة سياسية داعمة للدولة والجيش، تعرضت لتصدعات عميقة بفعل مسارات سياسية متشابكة.
وبين من رفض المشاركة في اجتماعات أديس أبابا ومن شارك فيها، تمددت الشروخ واتسعت المسافات. وفي المقابل ظل الحديث عن الحوار الوطني الذي دعا إليه البرهان معلقًا في الهواء، بلا ملامح واضحة ولا خطوات عملية.
والسياسة لا تعرف الفراغ. فعندما تتأخر المبادرات الوطنية تتقدم المبادرات الأخرى لملء المساحة. وعندما تتردد القيادة في الإمساك بزمام المبادرة تجد نفسها، مع مرور الوقت، في موقع الدفاع بدلًا من الهجوم.
أما الجهاز التنفيذي، فقصته أكثر إيلامًا. فالدولة التي خرجت من حرب مدمرة تحتاج إلى أداء استثنائي، وإلى حكومة تبعث الأمل في النفوس، لا إلى حالة من الارتباك تمنح خصومها الفرصة تلو الأخرى. وما يحدث اليوم يثير تساؤلات مشروعة حول حجم الضغوط والتعقيدات التي تحيط بالمشهد التنفيذي، وحول قدرة هذا الجهاز على مواكبة تضحيات الجنود في الميدان.
الخطر الحقيقي أن كل هذه الملفات لا تبدو منفصلة عن بعضها البعض. فعندما تُضرب الحاضنة العسكرية، وتُربك الحاضنة السياسية، ويُضعف الجهاز التنفيذي، فإن المستهدف في نهاية المطاف ليس هذه الأطراف منفردة، وإنما الدولة نفسها.
قد يظن البعض أن الأمر مجرد خلافات عابرة أو معارك جانبية، لكن حصيلة هذه الضربات المتراكمة تصب في اتجاه واحد: إنهاك المؤسسة التي تحملت العبء الأكبر في مواجهة التمرد، وإضعاف البيئة التي تستند إليها.
ولهذا فإن القضية أكبر من خلاف سياسي أو جدل إعلامي. القضية تتعلق بمستقبل وطن يواجه أخطر اختبار في تاريخه الحديث.
وإذا استمرت عملية التفكيك هذه بلا وعي أو مراجعة، فإن الخاسر لن يكون الجيش وحده، بل السودان كله.
فالذين يعبثون بأعمدة البيت، بحسن نية أو بسوئها، عليهم أن يتذكروا حقيقة بسيطة: عندما يسقط العمود لا يسقط على من بداخله فقط، بل على البيت بأكمله.
#فوري نيوز #الجيش# مقالات #تكتب






