Uncategorizedأخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب :هل سيخسر السودان أحد أكثر أصواته تأثيراً؟

فوري نيوز

سارة الطيب تكتب :

رحم الله أمي، فقد كانت من أشد المعجبين بالانصرافي.واتذكر ونحن في الشهور الأولى للحرب، حين كانت الخرطوم تغرق في الخوف والقلق ، كان صوته بالنسبة لها نافذة للأمل ومصدراً للثقة حتى بعد سقوطها وسقوط ومدني وكنت إذا أردت أن أرى الابتسامة على وجهها، كنت أفتح لها إحدى حلقاته، فتتابعها بكل جوارحها، تنفعل لانفعاله وتترقب كلماته وكأنها رسالة تطمئن بها قلبها على الوطن ثم على أبناءها في مناطق العمليات

لذلك لم يكن الانصرافي بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد ناشط أو معلّق سياسي، بل تحول إلى أيقونة ارتبطت بواحدة من أصعب مراحل البلاد داعما لها ومحققا ومناديا بشعار جيش واحد شعب واحد  ومن هنا يأتي هذا الحديث، لا من باب الخصومة أو التقليل من شأنه، وإنما من باب الحرص على ألا تحترق هذه الأيقونة وهي لا تزال قادرة على العطاء. فالتاريخ لا ينسى ما قدمه خلال حرب الكرامة، لكن التاريخ أيضاً يعلّمنا أن أكثر الأصوات تأثيراً قد تقع أحياناً في فخ الثقة المفرطة بالنفس، فتبتعد تدريجياً عن المسار الذي صنع مكانتها في وجدان الناس.

وقد ذكرت في مقال سابق أن هناك حرباً خفية تُدار ضد الدولة، لكن ما يثير القلق اليوم هو أن بعض الأصوات التي كانت جزءاً من معركة الوعي بدأت تخوض معارك أخرى قد تقودها إلى الاحتراق الذاتي.
يوماً بعد يوم، يبدو أن الناشط الأبرز المعروف بالانصرافي ينحرف تدريجياً عن المسار الذي عُرف به، بعد أن تمكنت منه بعض الأدواء التي كثيراً ما تصيب النشطاء والشخصيات المؤثرة في المجال العام.
في علم النفس السياسي والاجتماعي توجد مفاهيم عديدة تفسر مثل هذه الحالات؛ منها النرجسية، وهي الشعور المبالغ فيه بأهمية الذات، ومنها وهم الصواب أو اليقين المفرط، حيث يعتقد الشخص أنه يمتلك الحقيقة كاملة. وهناك أيضاً التعصب للرأي، وعقدة المخلّص التي تجعل صاحبها يرى نفسه الوحيد القادر على فهم المشهد وإنقاذ الآخرين.
كما توجد حالة تُعرف بالاستثمار النفسي في الموقف، حين تصبح الفكرة جزءاً من هوية الإنسان، فيتعامل مع نقدها وكأنه هجوم شخصي عليه.
وفي عالم السياسة ووسائل التواصل الاجتماعي تظهر أحياناً ظاهرة يمكن وصفها بـ”نرجسية الناشط”، حيث يبدأ الشخص مدافعاً عن قضية عامة، ثم يتحول تدريجياً إلى اعتبار نفسه المرجعية الوحيدة لفهمها. وعندما يختلف معه الآخرون، حتى من كانوا أقرب حلفائه، لا يكتفي بمناقشة آرائهم، بل يميل إلى تخطئتهم والتقليل من شأنهم، ثم يعود إلى مواقفه السابقة ليقول: “ألم أقل لكم؟”، وكأن الهدف لم يعد البحث عن الحقيقة بقدر ما أصبح إثبات صحة موقفه الشخصي.
ولعل ذلك ما يراه كثيرون اليوم في الخطاب الذي يقدمه الانصرافي. فالهجوم المتكرر على الجيش، والسخرية من بعض قراراته أو قياداته، بات أمراً يثير استياء عدد من متابعيه قبل خصومه. كما أنه يقدم نفسه في كثير من الأحيان باعتباره خبيراً في الأمن والعسكرية والاقتصاد والإعلام والدبلوماسية والتكنولوجيا وغيرها من المجالات، وكأن الإحاطة بكل شيء أمر ممكن، بينما الحقيقة أن المعرفة تبدأ عادة بالاعتراف بحدودها.
وخلال الأيام الماضية أدخل الخوف إلى نفوس كثير من البسطاء عبر حديثه المتكرر عن أن سقوط الأبيض مسألة وقت، وأن أم درمان وربما الشمالية قد تواجه المصير نفسه. كما بدا وكأنه يسير في اتجاه يضعف الثقة بين مكونات المعسكر الداعم للجيش، سواء بين القوات المسلحة والقوات المشتركة أو غيرها من القوى المتحالفة معها.
إن المشكلة لا تكمن في الاختلاف، فالاختلاف حق مشروع، وإنما في تحول الرأي إلى يقين مطلق لا يقبل المراجعة، وفي تضخم الذات على حساب القضية التي وُجدت أصلاً لخدمتها.
فهل انتقل الانصرافي، الذي كان أحد أبرز الأصوات المساندة لمعركة الكرامة، من النضال إلى الوصاية؟ وهل أصبح أسيراً لصوته وصدى آرائه؟
ومهما يكن من أمر، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالدور الكبير الذي لعبه في أوقات كانت شديدة الصعوبة على السودانيين. ولذلك فإن المطلوب ليس الهجوم عليه أو التقليل من شأنه، بل دعوته إلى مراجعة خطابه واستعادة التوازن الذي جعل الناس تلتف حوله في المقام الأول.
كما أن على المقربين منه أن ينصحوه بصدق، وعلى الجهات الرسمية أن تتواصل معه وتقدم المعلومات والتوضيحات اللازمة بشأن القضايا التي يثيرها، حتى لا يخسر السودان صوتاً مؤثراً استطاع الوصول إلى قطاعات واسعة من المواطنين.
فالخسارة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء، وإنما في احتراق الأصوات التي كان يمكن أن تظل جزءاً من معركة الوعي الوطني، لا جزءاً من معارك الاستنزاف والانقسام.

هل يخسر السودان أحد أكثر أصواته تأثيراً؟

 

 

#فوري نيوز #سارة الطيب# تكتب #الانصرافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى