
عين الكلمة
صلاح الريح يوسف
منذ أن تم إنشاء صندوق إعانة المرضى الكويتي مكتبه في السودان عام 1986م، وهو يمضي بخطى ثابتة ليحتل موقعاً متقدماً كأحد أكبر الداعمين للقطاع الصحي بعد الجهد الحكومي. أربعة عقود مضت لم تكن مجرد أرقام في سجل العلاقات الثنائية، بل كانت مسيرة عطاء متواصل وضعت المريض السوداني في مقدمة الاهتمامات، وسعت لتخفيف معاناته أينما وُجد.
لم يحصر الصندوق جهوده في العاصمة أو في بقعة جغرافية محددة، بل مدّ جسور عطائه لتشمل 11 ولاية سودانية، يشرف خلالها على 300 منفذ صحي تنتشر في مختلف أرجاء الوطن.
هذه المنافذ ليست مجرد مراكز تقديم خدمة، بل هي منارات أمل مفتوحة لمن أرهقتهم قلة الحيلة وضيق ذات اليد، وباتوا يبحثون عمّن يمسك بأيديهم في مواجهة المرض.
بهذا الانتشار الواسع غدا الصندوق شريكاً أصيلاً لوزارة الصحة الاتحادية والوزرات الولائية، يسد فجوات العجز، ويعوض النقص، ويرسم نموذجاً يحتذى به للعمل الخيري المؤسسي المنظم الذي يتجاوز ردود الفعل العابرة إلى بناء منظومة صحية قادرة على الصمود.
وإذا كان للصندوق إسهامات كثيرة يصعب حصرها، فإن مستشفى المزيني للأطفال بولاية كسلا يظل التاج الأبرز في تاجه. هذا الصرح الطبي المتخصص لم يكن مجرد مبنى شيد من الطوب والأسمنت، بل تحول إلى قبلة لأهالي ولاية كسلا وولايات شرق السودان كافة. في أروقته لا يجد الطفل المريض دواء لجسده المنهك فحسب، بل تجد الأسرة بأكملها سكينة تطمئن بها على فلذة كبدها، بعد أن أنهكها القلق وأثقلها انتظار الفرج. وقد حرص الصندوق منذ البداية على أن يكون عطاؤه مستداماً، فلم يكتف بتشييد البنيان، بل أولى الكادر الطبي السوداني عناية خاصة بالتدريب والتأهيل، وأسس نظاماً إدارياً يضمن استمرارية الأداء وفق معايير تحفظ كرامة الإنسان قبل أن تعالج مرضه.
إن ما يقوم به صندوق إعانة المرضى الكويتي ليس عملاً خيرياً موسمياً أو رد فعل على أزمة عابرة، بل هو ترجمة عملية لسياسة دولة الكويت الثابتة تجاه السودان. سياسة تقوم على مبدأ أصيل مفاده أننا معكم في العسر قبل اليسر، وفي الشدة قبل الرخاء. فالكويت التي وقفت إلى جانب السودان في المحن لم تبخل يوماً بيد العون، سواء في مجال الصحة أو التعليم أو الإغاثة عند الكوارث. ولم تكن يوماً تاجر أزمات، بل ظلت شريك وجدان قبل أن تكون شريك مشروع، تؤمن بأن أمن السودان واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها.
وبعد أربعة عقود من العطاء، يمكن القول بثقة إن صندوق إعانة المرضى الكويتي لم يقدم للسودان دواءً وآلات فحسب، بل قدم رسالة إنسانية عميقة مفادها أن الأخوة الصادقة لا تقاس بالشعارات، وإنما تقاس بمواقف المحن وصدق المواساة. فسلام على الكويت أميراً وحكومة وشعباً، وسلام على كل يد بيضاء امتدت لتضمّد جرحاً أو ترسم بسمة على وجه طفل أنهكه المرض، لأن مثل هذه الأيادي هي وحدها القادرة على أن تجعل من العلاقات بين الشعوب علاقات مصير مشترك، لا علاقات مصلحة تزول بزوال الحاجة.
وللمداد بقية
#فوري نيوز #الكويت# صلاح الريح






