مقالات وتقارير

الدكتور الطاهر موسي الحسن يكتب…لا للحرب” بين الإلتباس والتلبيس (1)

الخرطوم فوري نيوز

أدرك الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) منذ اللحظة الأولى مقدار الإلتباس الذي وقع في مفهوم الخارجين عليه من أصحابه، عندما أطلقوا صيحتهم المشهورة ( إن الحكم إلا لله) ومدى خطورة ذلك الشعار، فقال قولته المشهورة التي طارت بها الركبان صارت حكمة يتداولها الناس كلما واجهتهم مثل هذه المواقف، قال في رده عليهم قولته المشهورة: [ كلمة حق يراد بها باطل! نعم لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله … وإنه لا بد للناس من أمير بار أو فاجر …]، وتعود القصة لرفض الخوارج نتيجة التسوية التي توصل إليها (الحكمان) في مسألة الخصومة بينه والصحابي معاوية بن أبي سفيان، معلنين رفضهم لتحكيمهما، وبالتالي رفض سلطة كل منهما (علي ومعاوية) معاً وتكفيرهما ، عندها فطن (الإمام علي) لمدى الإلتباس الواقع عليهم، وعدم التمييز بين مفهومي (الحكم والإمرة) أي بين الحاكمية التكوينية، والتي تعني إرادة الله الكونية القدرية التي تتمثل في المشيئة العامة المحيطة بجميع الكائنات، وأن ما كان ويكون لا يخرج عن سلطان هذه الإرادة. وحاكمية التشريع، التي تتعلق بإرادة الله الدينية، والمتمثلة في التصور العقدي عن الله والكون والإنسان، ونظرية الشريعة العامة، حيث تكون العبادات جزء منها، فعند إطلاق هذا المفهوم وتوظيف جذره اللغوي فإنه لا ينصرف إلى معنى بعينه، وإنما يبقى السياق هو المحدد لطبيعة دلالته ومعناه.

هذه الحكمة الخالدة التي بينت الإلتباس في المفاهيم العقدية تنطبق حالياً على الشعار المرفوع تلبيساً من غير لبس، من فئة من السياسيين رفعوا (شعار لا للحرب) في معركة لا تقبل القسمة على أثنين، ولا مكان فيها للحياد، إما مع الجيش الوطني الذي يدافع عن الوطن والمواطن، أو مع التمرد المسلح والسماح له بفعل ما يريد، بل والإنحاء له لتحقيق مآربه والوصول لغاياته، بتوفير الغطاء له. هذا الشعار الخاوي والإدعاء الكذوب بالحياد، ما هو إلا هروب من الحقيقة الساطعة كفلق الصبح هو موالاتهم للتمرد، وهم يعلمون أن البلاد تتعرض لخيانة كبرى، وغزو خارجي من قبل المليشيا التي تضم في صفوفها مرتزقة تدفقوا عليها من دول الجوار الغربي من عرب (الشتات) القادمين من النيجر وتشاد ومالي وافريقيا الوسطى والكميرون ونيجيريا وليبيا ، والذين يتفاخرون بقتالهم في السودان لتأسيس مملكتهم تحت اسم (مملكة العطاوة) التي ستمتد مستقبلاً (في حال تحقيق حلمهم) لتشمل كل الدول التي يتواجدون بها.

 

التمرد المليشي الذي أهان الشعب السوداني، وعمل فيهم قتلاً وسحلاً، وصادر ممتلكاتهم وإنتهك حرماته وشردهم، لم يستثن حتى من يدعون الحياد، ويرفعون الشعار الخاوي ويدافعون عنه، ويلبسونه على الناس لإخفاء دوافع ومنطلقات منسوبي المليشيا وأهدافهم الرئيسية، ويرمون اللوم على طرف ثالث يتخذونه كـ (قميص عثمان) الذي رفعه من كانوا ينازعون الخليفة الراشد الخلافة حتى صارت من بعده ملكاً عضوضاً.

لا تملك القوى السياسية التي ترفع شعار (لا للحرب) والتي سمت نفسها (تقدم) الغالبية الشعبية، أو القوة العسكرية لإيقاف هذه الحرب المفروضة على البلاد والعباد، ولا تملك وسائل الضغط السياسية أو الدبلوماسية أو السند الدولي، لتساهم في وقف الحرب، مما يجعل شعارها من غير معنى حقيقي، ولا يمكن الإستناد إليه، وحشد الدعم له لإستحالة تحقيقه، والأمر المؤسف أن تلك القوى تعلم ذلك جيداً، ولكنها تتوارى خلف الشعار، وتدعي الحياد في خداع للشعب الذي تفترض فيه قلة الفهم، وربما الجهل والسذاجة. والأغرب من ذلك أن المواطن العادي يرى أن إستهدافه يتم على أساس جهته أو عرقه، من قبل فئات تحمل عليه حقداً كان نتاج تعبئة سالبة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فالكل في نظرهم (فلول وكيزان) طالما إمتلكوا البيوت والسيارات والمصانع والمشاريع الزراعية، ووسائل الإستقرار في مدنهم وقراهم، أياً كانت توجهاتهم السياسية أو الإيديولجية، منذ أن وجد السودان بحدوده الحالية، وحواكيره المعروفة والمثوارثة، فأجازوا لأنفسهم نهبهم وتهجيرهم وطردهم من بيوتهم، والإستيلاء على ممتلكاتهم وإغتصاب حرائرهم، كأنهم يحاربون كفاراً في حرب مقدسة، ويعتبرون ما ينهبونه غنيمة حلالاً، وحرائر السودان سبايا يجوز لهم التصرف فيهن، إما بيعاً، أو إسترقاقاً، أو إطلاق سراحهن بفدية يشترطونها ويحددون قيمتها. والمواطن السوداني الأعزل المغلوب على أمره، يرى بأم عينه المتمردين الموتورين لا يميزون ولا يفرقون بين ذوي رافعي الشعار الكذوب (لا للحرب)، وبين من رفع السلاح، وإصطف مع القوات المسلحة، للدفاع عن نفسه وحماية عرضه وماله، وعلم علم اليقين أن شعار ” لا للحرب” (كلمة حق يرايد بها باطل).

الخميس التاسع من مايو 2024 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى