مقالات وتقارير

مناوي يكشف أسرار لقاءات البرهان وحميدتي قبل حرب 15 أبريل

فوري نيوز

أسرار اللقاءات الأخيرة بين البرهان وحميدتي قبل اندلاع الحرب

الخرطوم:  فوري نيوز

الفصل الأول: مساء الثلاثاء… عندما دقّ جرس الإنذار

لم يكن مساء الثلاثاء 11 أبريل 2023 يوماً عادياً في الخرطوم. فبينما كانت المدينة تعيش أجواء رمضان، كانت داخل أروقة المؤسسة العسكرية إشارات تنذر بأن البلاد تقف على حافة مواجهة قد تغيّر تاريخها.

يروي مني أركو مناوي أن أول خيط في القصة بدأ بإفطار رمضاني استضافه نائب القائد العام للجيش، الفريق شمس الدين الكباشي، بمنزله. حضر اللقاء عدد من قيادات الكتلة الديمقراطية، بينهم نور الدائم محمد طه، ومبارك أردول، وسليمان صندل، وعبد العزيز عشر، ومحمد زكريا.

لكن الإفطار لم يكن مناسبة اجتماعية، بل تحول إلى اجتماع طارئ حمل رسالة واحدة: الوضع بين البرهان وحميدتي بلغ مرحلة خطيرة، ولا بد من تدخل عاجل.

وبحسب مناوي، تحدث الكباشي بإلحاح واضح، طالباً أن يُبلَّغ هو ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم بضرورة التحرك فوراً للوساطة بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مؤكداً أن الوقت لم يعد يحتمل التأجيل.

اجتماع هيئة القيادة… الشرارة الأولى

كشف الكباشي، وفق رواية مناوي، جانباً مما دار في اجتماع هيئة القيادة الذي انعقد قبل ساعات.

كان الغائب الأكبر عن الاجتماع هو حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو، فيما مثّل قوات الدعم السريع ضابطان برتبة لواء.

وخلال الاجتماع، وجّه قادة الجيش أسئلة مباشرة عن أسباب انتشار قوات الدعم السريع في مواقع جديدة داخل الخرطوم، وعن التعزيزات التي وصلت إلى قاعدة مروي الجوية.

غير أن الإجابة، كما ينقلها مناوي، جاءت مقتضبة:

«”لا ندري… اسألوا حميدتي أو عبد الرحيم.”»

عندها، انفجر أحد قادة الجيش غضباً قائلاً:

«”أبلغوا حميدتي وعبد الرحيم أن يفعلا ما يريدان.”»

واختُتم الاجتماع – بحسب الكباشي – بكلمات حاسمة من رئيس هيئة الأركان للقائد العام:

«”نحن مستعدون للدفاع.”»

كانت تلك العبارة، في نظر مناوي، مؤشراً على أن الثقة بين الطرفين بدأت تتلاشى بصورة خطيرة.

قرار التحرك

ما إن وصلت الرسالة إلى مناوي حتى بادر بالاتصال بجبريل إبراهيم، ليكتشف أن الأخير يتابع التطورات نفسها.

اتفق الرجلان على التحرك فوراً، ورأيا أن الطريق الوحيد لتخفيف الاحتقان يبدأ بلقاء قيادة الدعم السريع.

وانضم إلى المبادرة رئيس الحركة الشعبية مالك عقار، ونائب حاكم إقليم دارفور محمد عيسى عليو، فيما اقترح عقار إشراك عبد الله مسار، بحكم علاقاته الاجتماعية مع حميدتي.

لكن الوصول إلى قيادة الدعم السريع لم يكن سهلاً.

يقول مناوي إن الاتصالات بعبد الرحيم دقلو تكررت أكثر من مرة، إلا أن تحديد موعد ظل يتأجل في كل مرة.

ومع تضاؤل الوقت، قرر الوفد الذهاب مباشرة إلى منزل عبد الرحيم بحي المطار، من دون موعد مسبق.

ساعات الانتظار

وصل الوفد قرابة العاشرة والنصف مساءً.

لم يُسمح لهم بالدخول إلى صالون الاستقبال، بل ظلوا ينتظرون في الساحة الخارجية للمنزل لأكثر من ساعة.

كان الانتظار ثقيلاً، والأسئلة أكثر ثقلاً.

وعند الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة تقريباً، وصل عبد الرحيم دقلو على متن سيارة يعرفها السودانيون باسم “الشريحة”.

لكن المفاجأة لم تكن في السيارة، بل في أحد ركابها.

يقول مناوي إن القيادي خالد عمر يوسف نزل من السيارة ثم عاد إليها سريعاً، قبل أن يعلم المجتمعون لاحقاً أن الواثق البرير وياسر عرمان وطه عثمان كانوا داخلها أيضاً.

ويروي مناوي أن الحاضرين تبادلوا التساؤلات حول سبب وجودهم، قبل أن يرجحوا أنهم كانوا يعقدون اجتماعاً يتعلق بالعملية السياسية والاتفاق الإطاري.

الحوار مع عبد الرحيم

بدأ النقاش فور وصول عبد الرحيم.

امتد الاجتماع طويلاً، وتناول مخاوف الجميع من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.

وبحسب مناوي، انتهى اللقاء بنتيجة اعتبرها إيجابية في ذلك الوقت.

وافق عبد الرحيم على الجلوس مع الفريق شمس الدين الكباشي، تمهيداً للقاء يجمع البرهان وحميدتي.

في المقابل، شدد الوسطاء على ضرورة وقف أي تعزيزات عسكرية جديدة، وخاصة في قاعدة مروي الجوية.

ويقول مناوي إن عبد الرحيم قدّم التزاماً واضحاً بعدم التصعيد.

مشهد أثار القلق

خرج الوفد من المنزل متجهاً مباشرة إلى لقاء الكباشي.

لكن قبل مغادرة المكان، لفت انتباه مناوي أمر لم يستطع تجاهله.

يقول إنه شاهد انتشاراً عسكرياً كبيراً أمام منزل عبد الرحيم، ضم راجمات صواريخ، ومضادات للطيران، ومدرعات، وقوات بأعداد وصفها بأنها “مبالغ فيها”.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

فعندما اقترب الوفد من بوابة القيادة العامة في طريقه إلى منزل الكباشي، بدا التوتر واضحاً بين الحراسات.

يصف مناوي المشهد قائلاً إن حراسة حميدتي وحراسة القيادة العامة كانتا في حالة استنفار كامل، حتى بدا وكأن كل طرف يوجه سلاحه نحو الآخر.

في تلك اللحظة، لم تكن الحرب قد بدأت بعد…

لكن، بحسب رواية مناوي، كانت كل تفاصيلها الأولى قد بدأت تتشكل في صمت، بينما كانت الوساطات تحاول اللحاق بزمنٍ أخذ ينفد بسرعة.

الفصل الثاني: مروي… حين بدأت الثقة تتآكل

مع انقضاء ليلة الثلاثاء الطويلة، كان الوسطاء يعتقدون أنهم انتزعوا بصيص أمل من قلب الأزمة. فقد غادروا منزل عبد الرحيم دقلو بعد اتفاق مبدئي يقضي بعقد لقاء بين قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع، على أن يتوقف في المقابل أي تصعيد عسكري، خاصة في قاعدة مروي الجوية.

لكن ذلك الأمل لم يعش طويلاً.

الأربعاء 12 أبريل… خبر قلب المشهد

عند الساعة الواحدة والربع بعد منتصف الليل، وصل مني أركو مناوي ورفاقه إلى منزل الفريق شمس الدين الكباشي.

أبلغوه بما خرجوا به من اجتماعهم مع عبد الرحيم دقلو، وأن الأخير وافق على الجلوس مع الكباشي تمهيداً للقاء يجمع البرهان وحميدتي.

استقبل الكباشي الخبر بارتياح، لكنه طلب أولاً التواصل مع القائد العام عبد الفتاح البرهان للحصول على موافقته النهائية.

غير أن البرهان، بحسب رواية مناوي، فضّل أن يلتقي الوسطاء أولاً قبل اتخاذ أي خطوة، فتحدد الموعد عند الساعة الحادية عشرة من صباح الأربعاء.

شرط البرهان

قبل انعقاد الاجتماع، نقل الكباشي للوفد تساؤلاً طرحه البرهان عليه:

«”كيف نجلس معهم ونحن اتفقنا في هيئة القيادة ألا يكون هناك لقاء قبل سحب قواتهم من مطار مروي؟”»

كان هذا الشرط يعكس حجم الشك الذي بدأ يسيطر على قيادة الجيش.

وعندما وصل الوسطاء إلى مقر البرهان في الموعد المحدد، لاحظوا منذ اللحظة الأولى أن ملامح الكباشي قد تبدلت.

كان الرجل، كما يصفه مناوي، ممتعضاً على غير عادته.

وسرعان ما كشف السبب.

فبحسب المعلومات التي وصلت للجيش، لم تتوقف التعزيزات العسكرية كما وُعد، بل وصلت إلى مروي قافلة جديدة تضم 54 سيارة قتالية بعد ساعات فقط من لقاء الوسطاء مع عبد الرحيم دقلو.

يقول مناوي إن الخبر أصابهم بالدهشة، لأنهم كانوا قد حصلوا على تعهد واضح بعدم إرسال أي تعزيزات جديدة.

لقاء البرهان

دخل الوفد على البرهان.

لم يحتج الرجل إلى مقدمات طويلة.

استقبلهم بسؤال مباشر:

«”هل تعتقدون أن حميدتي سيكتفي بهذا التصعيد؟ لقد تعبنا من محاولة إقناعه.”»

ثم مضى، وفق رواية مناوي، في عرض ما يراه مؤشرات خطيرة على الأرض.

قال إن عدد قوات الدعم السريع في الخرطوم كان قبل أشهر أقل من ثلاثين ألف مقاتل، لكنه تجاوز لاحقاً مائة ألف، مع استمرار تدفق التعزيزات.

وأضاف أن هذا التوسع لم يعد يمكن تفسيره على أنه مجرد انتشار عسكري عادي.

ثم أطلق عبارة وصفها مناوي بأنها كانت تعكس حجم الاحتقان داخل المؤسسة العسكرية:

«”لا شيء سيوقف هذا التمادي إلا القصدير.”»

ويشرح مناوي أن المقصود بـ”القصدير” في اللهجة العسكرية هو الرصاص.

حديث الانقلاب

خلال الاجتماع، انتقل النقاش إلى سؤال أكثر حساسية.

قال الكباشي، بحسب مناوي، إنه بات يعتقد أن لدى حميدتي خطة انقلاب، وإن تنفيذ مثل هذه الخطة لا يمكن أن يتم من دون تعاون ضباط داخل الجيش.

عندها تدخّل جبريل إبراهيم متسائلاً:

«”إذا كانت هناك خطة انقلاب، فأين معلومات الاستخبارات؟”»

ورد الكباشي بسؤال آخر حمل كثيراً من الريبة:

«”كيف يستطيع حميدتي أن يصل إلى هذه المرحلة إذا لم يكن معه ضباط من الجيش؟”»

ويشير مناوي إلى أن البرهان كان حاضراً طوال هذا الحوار، لكنه لم يعلّق، واكتفى بالاستماع.

الخميس 13 أبريل… الوساطة تصطدم بالجمود

لم تتوقف محاولات الوسطاء.

في مساء الخميس، عاد مناوي ورفاقه إلى لقاء البرهان بعد صلاة التراويح.

لكنهم لم يتمكنوا من مقابلته مباشرة.

كان منشغلاً باجتماع مع قيادات المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، ما اضطرهم إلى الانتظار حتى منتصف الليل.

وبحسب رواية مناوي، أبلغهم البرهان بعد انتهاء الاجتماع أن التصعيد العسكري من جانب الدعم السريع لم يتوقف، لكنه لا يزال مستعداً للقاء حميدتي، بشرط أن يبدأ أولاً سحب القوات من مروي.

في المقابل، واصل الوسطاء اتصالاتهم مع قيادة الدعم السريع.

وبعد نقاشات طويلة، نجحوا في تحديد موعد مع حميدتي صباح الجمعة 14 أبريل عند الساعة العاشرة.

خرج الوسطاء تلك الليلة وهم يتمسكون بأمل أخير.

لكنهم كانوا يدركون أيضاً أن الوقت ينفد، وأن كل ساعة تمر تحمل معها مزيداً من القوات، ومزيداً من الشكوك، ومزيداً من الأسئلة التي لم يعد أحد يملك لها إجابة.

كانت الخرطوم تبدو هادئة في ظاهرها…

أما خلف الكواليس، فكانت عقارب الساعة تقترب بسرعة من الموعد الذي سيغيّر وجه السودان.

الفصل الثالث: الجمعة الأخيرة… عندما كان السلام يلفظ أنفاسه

أشرقت شمس الجمعة 14 أبريل، لكن أحداً من الوسطاء لم يكن يشعر بأنها جمعة عادية.

ثلاثة أيام من الاجتماعات المتواصلة، وعشرات الاتصالات، وساعات طويلة من الانتظار بين منازل القادة ومقارهم، دون أن تنجح أي محاولة في تبديد الغيوم التي تراكمت فوق الخرطوم.

ومع ذلك، لم يفقد مني أركو مناوي ورفاقه الأمل.

كان في جدول ذلك اليوم لقاء طال انتظاره مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، علّه يكون الفرصة الأخيرة قبل الانفجار.

لقاء حميدتي… كلمات قليلة ورسائل غامضة

في الموعد المحدد، وصل الوسطاء إلى لقاء حميدتي.

يروي مناوي أن الجلسة مضت في أجواء بدت هادئة من الخارج، لكنها كانت مثقلة بالحذر.

لم يقدم حميدتي، بحسب الرواية، تعهداً واضحاً بوقف التصعيد، كما لم يرفض مقترحات الوسطاء بصورة صريحة.

كانت الإجابات مقتضبة، والعبارات محسوبة، وكأن كل كلمة تقال بميزان دقيق.

وانتهى اللقاء، كما يصفه مناوي، بمزاح وضحكات بدت ثقيلة أكثر منها طبيعية.

ويقول بصراحة:

«”خرجت من الاجتماع وأنا لم أشعر بالاطمئنان.”»

كان ذلك الإحساس، في نظره، أول إنذار بأن الأمور تتجه إلى نقطة اللاعودة.

إفطار الكباشي… الغياب الذي لفت الأنظار

بعد انتهاء اللقاء، انتقل الوسطاء إلى تلبية دعوة الإفطار الرمضاني الذي أقامه الفريق شمس الدين الكباشي في نادي النيل.

شهد الإفطار حضوراً واسعاً من القيادات السياسية والعسكرية.

لكن وسط هذا الحضور، كان هناك غياب لا يمكن تجاهله.

غاب حميدتي.

وغاب شقيقه عبد الرحيم.

وبحسب مناوي، أثار هذا الغياب كثيراً من التساؤلات، خاصة أن البلاد كانت تمر بأكثر لحظاتها حساسية.

وخلال الإفطار، غادر الفريق أول عبد الفتاح البرهان قاعة المناسبة إلى الفناء الخارجي لاحتساء القهوة.

جلس إلى جواره مناوي، وكان معهم رئيس مفوضية السلام سليمان الدبيلو، الذي استفسر عن اجتماع يتعلق بملف السلام.

أجابه مناوي بأن الاجتماع سيُعقد بعد عطلة عيد الفطر.

عندها، التفت البرهان إليهم، وبابتسامة حملت أكثر من معنى، قال:

«”هل أنتم متأكدون أنكم ستدركون العيد؟”»

يصف مناوي تلك العبارة بأنها بقيت عالقة في ذهنه، لأنها جاءت في لحظة كان التوتر فيها قد بلغ ذروته.

رسالة جديدة من مروي

وقبل أن يحين موعد اللقاء الليلي مع البرهان، تلقى مناوي اتصالاً من جبريل إبراهيم.

كان يحمل خبراً جديداً.

بحسب ما نقله جبريل عن البرهان، فإن التعزيزات العسكرية في مروي لم تتوقف، بل استمرت رغم كل محاولات التهدئة.

عندها، اعترى مناوي شعور بالإحباط.

تساءل أمام جبريل:

«”ما جدوى أن نواصل اللقاءات إذا كان التصعيد مستمراً؟”»

لكن جبريل كان أكثر تمسكاً بالأمل.

أجابه، وفق الرواية:

«”علينا أن نحاول حتى آخر لحظة.”»

انتظار طويل… وقلق يزداد

في العاشرة مساءً، وصل الوسطاء إلى مقر البرهان.

لكن القائد العام لم يكن متاحاً.

استقبلهم مستشاره علاء الدين عثمان، وأبلغهم أن البرهان لا يزال في اجتماع مع قيادات المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وهو اجتماع بدأ منذ الثامنة مساءً ولم يكن مدرجاً ضمن البرنامج المعلن.

طال الانتظار.

ومع مرور الدقائق، بدأ شعور ثقيل يسيطر على الحاضرين.

كانت الاتصالات تتواصل.

والتقارير الميدانية تتحدث عن تحركات عسكرية متبادلة.

والوساطة، التي بدأت قبل أيام بكثير من التفاؤل، أصبحت تسير فوق خيط رفيع يكاد ينقطع.

الساعات التي سبقت الفجر

امتد انتظار الوفد حتى ما بعد منتصف الليل.

كان الوقت يمضي بسرعة، بينما كانت فرص احتواء الأزمة تتضاءل.

في الخارج، بدت الخرطوم ساكنة.

المساجد تستعد لصلاة الفجر.

والشوارع يغمرها هدوء رمضان.

لكن خلف ذلك الهدوء، كانت البلاد تقف على حافة واحدة من أخطر اللحظات في تاريخها الحديث.

لم يكن الوسطاء يعلمون أن الساعات القليلة المقبلة ستبدد كل ما بنوه خلال أربعة أيام من الاتصالات والاجتماعات.

فمع اقتراب فجر السبت 15 أبريل، كانت الحرب، بحسب رواية مناوي، قد أصبحت أقرب من أي وقت مضى.

ولم يعد يفصل السودان عن الانفجار سوى بضع ساعات.

الفصل الرابع: التاسعة صباحًا… عندما انتهى زمن الوساطات وبدأ زمن البنادق

كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة والربع بعد منتصف ليل السبت 15 أبريل، عندما دخل مني أركو مناوي ورفاقه أخيرًا إلى لقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بعد ساعات طويلة من الانتظار.

كان ذلك آخر اجتماع سياسي قبل أن تبتلع أصوات الرصاص كل شيء.

استمع الوسطاء إلى البرهان، ثم عادوا ليطرحوا مطلبهم الذي حملوه منذ بداية الأزمة: لقاء مباشر بينه وبين محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لاحتواء الموقف قبل انفجاره.

وبحسب رواية مناوي، أبدى البرهان استعداده للجلوس مع نائبه، لكنه تمسك بشرط واحد؛ أن تبدأ قوات الدعم السريع بإظهار جدية في الانسحاب من قاعدة مروي الجوية.

وأوضح، وفق الرواية، أن الجيش بات يعيش حالة من التململ، وأن كثيرين داخل المؤسسة العسكرية يرون أنه قدّم من التنازلات ما يكفي، ولم يعد قادراً على المضي أكثر في ظل استمرار الحشود العسكرية.

عندها، نقل الوسطاء إليه وجهة نظر الطرف الآخر، وأبلغوه أن حميدتي يتحدث أيضاً عن حشود ودبابات ومدفعية ثقيلة وصلت من عطبرة.

لكن البرهان، بحسب مناوي، أجاب بوضوح:

«”إذا أبدى استعدادًا للانسحاب من مروي، فسوف نوقف التصعيد.”»

انتهى الاجتماع قبل ساعات قليلة من الموعد الذي كان مقرراً أن يجمع الوسطاء بحميدتي عند العاشرة صباحاً.

خرج الجميع وهم يعتقدون أن نافذة صغيرة ما زالت مفتوحة.

لكن القدر كان قد سبق الجميع.

الرصاص يسبق الموعد

عند الساعة التاسعة صباحاً تقريباً، استيقظ مناوي على أصوات إطلاق النار.

لم تكن طلقات متفرقة.

كانت معركة بدأت بالفعل.

يقول إن مرافقه الأمني أيقظه على أصوات الاشتباكات القادمة من محيط المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، بينما كانت سياراته قد أصبحت جاهزة للتحرك.

في البداية، قرر التوجه مباشرة نحو مقر إقامة حميدتي داخل محيط القيادة العامة، على أمل أن ينجح، رغم اندلاع القتال، في تنفيذ اللقاء الذي كان مقرراً قبل ساعة واحدة فقط.

سلك موكبه شارع النيل قادماً من جهة المنشية.

وعندما اقترب من جامعة الخرطوم، أخرج هاتفه واتصل بحميدتي.

قال له:

«”نحن على موعدنا بعد قليل.”»

لكن الرد جاء مختلفاً.

أخبره حميدتي، بحسب رواية مناوي، أن الوصول إليه أصبح مستحيلاً، لأن الاشتباكات امتدت إلى أنحاء العاصمة، ونصحه بعدم المخاطرة بحياته.

ومع ازدياد كثافة إطلاق النار، اضطر مناوي إلى تغيير وجهته، متجهاً إلى مكتبه بشارع البلدية.

محاولة أخيرة

عند الثانية عشرة والنصف ظهراً، حاول مناوي الاتصال بالبرهان.

لم يتلقَّ أي رد.

اتصل بعدها بالفريق شمس الدين الكباشي.

يروي أن الكباشي رد عليه بصوت بدا هادئاً على غير المتوقع، بل وضاحكاً، وسأله عن مكان وجوده.

أجابه مناوي بأنه في مكتبه، ثم سأله عن أحوالهم.

فجاءه الرد:

«”نحن بخير… في بيت الرئيس المهاجَم.”»

وبحسب الرواية، حوّل الكباشي الهاتف إلى البرهان.

سأله مناوي مباشرة:

«”هل ما زالت هناك فرصة أخيرة لإيقاف ما يجري؟”»

لكن البرهان، وسط أصوات الاشتباكات التي كانت تُسمع عبر الهاتف، أجاب بما معناه أن القوات تتعرض للهجوم في مواقعها، وأن الوقت لم يعد وقت حديث عن التهدئة.

كانت تلك، كما يروي مناوي، آخر مكالمة جمعته بقيادة الجيش في ذلك اليوم.

الاتصال الأخير

أنهى مناوي الاتصال، ثم أعاد الاتصال بحميدتي.

كان يريد إجابة واحدة:

هل يمكن إيقاف الحرب الآن؟

لكن حميدتي بدأ بسؤال آخر:

«”أنتم كنتم مع البرهان حتى ساعات الفجر… ماذا قال لكم؟”»

أجابه مناوي بأن البرهان أبدى استعداده للتهدئة حتى موعد اللقاء الذي كان مقرراً بينهما صباح السبت، غير أن اندلاع القتال حال دون ذلك.

ورد حميدتي، بحسب الرواية، قائلاً إن الجيش هو من بدأ الهجوم، وطلب من الوسطاء إصدار بيانات تدين ما حدث.

لكن مناوي عاد ليسأله للمرة الثانية:

«”هل ما زالت هناك فرصة لإيقاف القتال؟”»

وهنا، ينقل مناوي ما وصفه بأنه كان أخطر حديث دار بينهما في ذلك اليوم.

يقول إن حميدتي أجابه بثقة:

«”أوضاعنا العسكرية كلها تمام… استلمنا قاعدة مروي، والقصر الجمهوري، ومطار الخرطوم، وحصلنا على عدد كبير من العربات والدبابات، والقيادة العامة أصبحت محاصرة.”»

ثم أضاف، بحسب رواية مناوي:

«”لم يبقَ إلا أن يستسلم البرهان ومن معه… إذا استسلم، فستنتهي الحرب تلقائياً.”»

نهاية الوساطة… وبداية الحرب

عند تلك اللحظة، أدرك مناوي، كما يروي، أن مهمة الوسطاء انتهت.

لم تعد الهواتف قادرة على وقف ما بدأ.

ولم تعد الاجتماعات التي امتدت لأربعة أيام تملك أي قيمة أمام صوت المدافع.

هكذا يختتم مناوي شهادته، مقدماً روايته للساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع حرب 15 أبريل، من أول نداء أطلقه الكباشي، مروراً بمحاولات الوساطة بين البرهان وحميدتي، وصولاً إلى صباحٍ تبدلت فيه لغة السياسة بلغة السلاح، ودخل السودان واحدة من أعقد حروبه المعاصرة، وهي حرب لا تزال آثارها ترسم ملامح البلاد حتى اليوم.

 

 

#فوري نيوز #مناوي# البرهان #حميدتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى