مقالات وتقارير

الأمير الوالد،، أيقونة في ذاكرة السودانيين..

فوري نيوز

حدود المنطق..

إسماعيل جبريل تيسو..

لم يكن مستغرباً أن يشقَّ نبأ رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على السودانيين في الداخل والخارج، فقد ارتبط الرجل في وجدانهم بمواقف ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية، حين وقف إلى جانب السودان في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، وجعل من السلام خياراً عملياً لا شعاراً سياسياً، ومن التنمية ركيزةً لترسيخ الاستقرار، ومن الأخوة العربية والإسلامية منهجاً في السياسة والعمل.

ولذلك، لم يستقبل السودانيون خبر رحيله بوصفه وفاة قائد عربي فحسب، وإنما استعادوا سيرة رجل امتدت أياديه البيضاء إلى دارفور، وأسهمت جهوده في تقريب وجهات النظر بين أبناء الوطن الواحد، ورعاية مسيرة السلام، ثم دعمها بمشروعات التنمية وإعادة الإعمار، حتى أصبح اسمه جزءً أصيلاً من ذاكرة مرحلة مفصلية في تاريخ السودان الحديث.

قد يكتب كثيرون عن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني باعتباره رجل دولة ترك بصماته في السياسة والاقتصاد والعمل الإنساني، وهي شهادة يستحقها عن جدارة، أما نحن في السودان، فلنا في سيرته صفحة أخرى، نقرأها بعيون التجربة لا بعيون السرد، ونستحضرها من ذاكرة وطن عرف الرجل في ميدان الفعل، يوم جعل من قضية دارفور همّاً عربياً، ومن السلام مشروعاً يستحق أن تُسخَّر له الإمكانات والجهود.

لقد آمن الأمير الوالد بأحقية السودانيين في السلام والاستقرار، وأهمية أن ينعم إنسان دارفور، بالاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، ومن هذا المنطلق، تبنَّت دولة قطر، بقيادته، استضافة مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية وحركات دارفور المسلحة منذ العام 2009م، واحتضنت الدوحة جولات طويلة وشاقة من المفاوضات التي اعتبرتها قطر التزاماً سياسياً وأخلاقياً كاملاً بقضية السلام في السودان باعتبار أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، وإنما ركيزة لاستقرار الإقليم بأسره، لذلك وفّرت الدوحة كل ما يعين الأطراف على الوصول إلى تسوية تنهي سنوات الحرب والمعاناة.

وجاءت ثمرة تلك المساعي في الرابع عشر من يوليو عام 2011، عندما وُقِّعت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، لتؤسس لمرحلة جديدة من الأمل، ولتؤكد أن الحوار، مهما طال طريقه، يبقى أقل كلفة من استمرار النزاعات، ولم يتعامل الأمير الوالد مع وثيقة سلام دارفور بوصفها نهاية المطاف، بل بداية مسؤولية جديدة، فقد كان يؤمن بأن السلام لا يعيش على الورق، وإنما ينمو في حياة الناس، ولذلك، اندفعت دولة قطر إلى دعم تنفيذ الوثيقة، والمساهمة في إعادة إعمار دارفور، وتمويل مشروعات المياه والطرق والتعليم والصحة والإسكان، ودعم العودة الطوعية للنازحين، حتى يشعر المواطن بأن السلام قد انعكس على واقعه اليومي.

ولعل ما يبعث على التقدير أن هذه الرؤية لم تتوقف برحيل الأمير الوالد عن سدة الحكم، بل واصلها حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أطال الله عمره، فاستمر الدعم القطري لعملية السلام ولمشروعات التنمية والإعمار، في تأكيد عملي على أن العلاقة مع السودان لم تكن سياسة عابرة، وإنما نهجاً راسخاً تتوارثه القيادة القطرية.

وإذا كان السودانيون يحفظون للأمير الوالد هذه المواقف النبيلة، فإن العالم يحفظ له أيضاً تجربة سياسية استثنائية، حين اتخذ قراره التاريخي بالتنحي عن الإمارة وتسليم راية القيادة إلى نجله الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهو في قمة حضوره السياسي، وكامل قدرته على العطاء والإنجاز، حيث لم يكن ذلك القرار استجابة لضغوط، ولا نتيجة أزمة، وإنما كان فعلاً إرادياً نابعاً من رؤية بعيدة المدى، آمنت بأن الدول القوية هي التي تُعد الأجيال الجديدة للقيادة، وتمنح الشباب الفرصة لتحمل المسؤولية في الوقت المناسب، لقد قدّم الأمير الوالد نموذجاً نادراً في عالمنا العربي، يؤكد على أن الحكمة لا تتمثل فقط في كيفية الوصول إلى السلطة، وإنما كذلك في معرفة التوقيت المناسب لتسليمها، بما يضمن استمرارية الدولة وتجدد مؤسساتها.

وقد أثبتت السنوات اللاحقة سلامة تلك الرؤية، إذ شهدت قطر في عهد الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني استمراراً لمسيرة التنمية والنهضة، وتعزيزاً لحضورها الإقليمي والدولي، بما يؤكد أن انتقال السلطة كان انتقالاً مدروساً، حافظ على الاستقرار، ورسَّخ مفهوم الدولة المؤسسية، وفتح الباب واسعاً أمام طاقات شابة لتقود مسيرة البناء بثقة واقتدار.

إن المتأمل في سيرة الأمير الوالد ومسيرته المشرقة، يدرك أنه لم يكن رجل سياسة فحسب، بل كان صاحب مشروع يقوم على الجمع بين الحكمة والإنسانية، وبين صناعة السلام وصناعة التنمية، وبين بناء الدولة وبناء الإنسان، ولذلك بقي حاضراً في ذاكرة شعوب كثيرة، ومنها الشعب السوداني، الذي لمس مواقفه في أصعب الظروف، ولم يرها مجرد تصريحات، بل جهوداً صادقة تُرجمت إلى مبادرات، واتفاقيات، ومشروعات، وشراكات تنموية تركت آثارها على الأرض.

وسيبقى الشعب السوداني، وهو يودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ممتناً لمواقفه النبيلة، حافظاً لمجاهداته في سبيل إحلال السلام، ومقدراً لدعمه السخي لدارفور، ولإسهاماته في إعادة الإعمار والتنمية، ومستذكراً بكل الوفاء قائداً عربياً آمن بالسودان، ووقف إلى جانبه في وقت احتاج فيه إلى الأصدقاء الصادقين، فترحل الأجساد، وتبقى المواقف، وتظل صفحات الوفاء التي يكتبها الرجال في حياة الشعوب عصية على النسيان.

 

#فوري نيوز# قطر# إسماعيل جبريل تيسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى