أحمد عثمان حمزة.. عام في عين العاصفة
عطاف عيدالوهاب
في اللحظة التي تتبدل فيها الخرائط ويصبح الكرسي في ولاية الخرطوم أشبه بجمرة لا يثبت عليها أحد، اختارت القيادة أن تمد يدها وتثبت رجلاً واحداً لعام كامل. أحمد عثمان حمزة واليا للخرطوم. والقرار جاء في توقيت لا يحتمل المجاملة ولا المساومة.
الخرطوم اليوم ليست مدينة خدمات تقليدية. هي ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات. فيها من عاد إلى بيت مهدم يفتش عن أثر لأسرته، وفيها من يقف في صف الماء ساعات، وفيها من ينتظر الكهرباء التي تأتي على استحياء. إدارة هذا الملف لا تحتاج إلى خطابة ولا إلى حضور في الشاشات، بل تحتاج إلى رجل يعرف الشوارع ويعرف الناس ويملك أعصاباً لا ترتبك عند أول أزمة. يبدو أن القيادة قررت أن تحكم بما تراه في التقارير لا بما يكتبه الآخرون في العناوين، وأن حمزة كان حاضراً في الميدان عندما غاب كثيرون.
لذلك لم تكن الهجمة الصحفية التي طاردته شهوراً سبباً كافياً لتغييره. قيل عنه مرة إنه بطيء، ومرة إنه قريب من هذا وبعيد من ذاك. لكن التمديد لعام جاء ليقول شيئاً واحداً بوضوح، إن الصراخ وحده لا يسقط مسؤولاً، وإن الميزان في لحظة الحرب هو النتيجة لا الضجيج.
والعام هنا ليس رقماً عابراً. لو كانت النية ترضية لاكتفت القيادة بثلاثة أشهر. أما أن يكون التمديد عاماً كاملاً فذلك يعني أن أمام الرجل ملفات ثقيلة بلا أعذار. إعادة إعمار، عودة مدارس، مستشفيات منهكة، ومواطن ينتظر أن يرى أثر الدولة في حياته اليومية. وهو في الوقت ذاته إعلان أن الدولة قررت البقاء في قلب الخرطوم، وأن العودة ليست شعاراً يرفع في المناسبات ثم يطوى.
أحمد عثمان حمزة ليس وجهاً معتاداً في الفضائيات، وربما كان ذلك من حسناته في هذا التوقيت. ففي زمن الحرب يكثر اللامعون ويقل العاملون. المطلوب منه الآن أكبر من مجرد الصمود. المطلوب أن يبني وسط الدمار، وأن يحول الوعود إلى ماء وكهرباء ودواء. العيون عليه من كل الجهات، من المواطن المنهك ومن القيادة التي تريد استقراراً ومن الخصوم الذين ينتظرون زلة.
السياسة في النهاية ليست محاولة لإرضاء الجميع. هي فن اختيار الأقل ضرراً والأكثر نفعاً. وتمديد حمزة هو اختيار الاستمرارية بدل المغامرة، واختيار التجربة الميدانية بدل البريق الإعلامي.
قد يكتب له التاريخ أنه قاد الخرطوم من جحيم الحرب إلى بداية الإعمار. وقد يكون هو نفسه أول من تدفع به المعادلة التي رفعته.
أما الآن فقد صدر القرار، والمسؤولية انتقلت كاملة إلى مكتبه، والكرة في ملعبه وحده.
#فوري نيوز #احمد عثمان






