
في وقت تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب في السودان يتجه ديوان الزكاة إلى توسيع شراكاته مع المؤسسات الإعلامية والدرامية واضعاً صناعة الوعي ونشر ثقافة الزكاة وتوثيق أوجه صرفها ضمن أولويات المرحلة في محاولة لتعزيز الثقة بين الديوان والمجتمع وإيصال رسالته إلى المكلفين والمستحقين على حد سواء.
وتحت شعار «الإعلام والدراما شركاء في صناعة الوعي وتوثيق العطاء» نظم ديوان الزكاة لقاءً جمع قياداته بالإعلاميين والدراميين في خطوة تستهدف الانتقال بالعمل الإعلامي من مجرد نقل أخبار الأنشطة والبرامج إلى شراكة فاعلة في التوعية بأحكام الزكاة وتعريف المجتمع بمصارفها وإبراز جهود العاملين في إيصالها إلى مستحقيها حتى في المناطق التي طالتها الحرب.
الوعي أولاً….
برزت خلال اللقاء رؤية تقوم على أن نجاح العمل الزكوي لا يرتبط بالجباية وحدها، وإنما يبدأ من توعية المجتمع بأحكام الزكاة ومقاصدها وتوضيح مسؤولية المكلفين تجاهها وصولاً إلى تعزيز الالتزام بأدائها.
وأكد نائب الأمين العام للدعوة والإعلام معاوية عبيد أن الديوان يسعى إلى إيصال رسالة الزكاة إلى المجتمع والعالم الخارجي بما تحمله من معانٍ وقيم مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع دائرة الشراكة مع أصحاب الكلمة والرأي والقلم إلى جانب العاملين في التلفزيون والإذاعة والدراما.
وأوضح أن الديوان بدأ بالفعل خطوات للتواصل مع الإعلاميين والدراميين بهدف توظيف مختلف الوسائط في نشر الوعي برسالة الزكاة مؤكداً انفتاح الديوان على الشراكات التي تساعد في الوصول إلى شرائح المجتمع المختلفة.
وتعكس هذه الرؤية توجهاً نحو استخدام الدراما والإعلام في معالجة جوانب القصور المعرفي المرتبطة بالزكاة من خلال تبسيط أحكامها وشرح كيفية احتسابها وتوضيح الجهات المستحقة لها بما يجعل الرسالة أقرب إلى المواطنين وأكثر قدرة على التأثير في سلوكهم.
الوعي تحت المجهر…..
من جانبه شدد مدير المعهد العالي لعلوم الزكاة البروفيسور صديق عبد الرحيم على أهمية إشراك شرائح المجتمع في التوعية بالزكاة معتبراً الإعلاميين من أبرز الفئات القادرة على الإسهام في هذه المهمة.
وأوضح أن الدعوة والتوعية تمثلان مدخلاً أساسياً لضبط الجباية والصرف مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم بشأن بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وما تضمنه من تقديم الدعوة إلى الإسلام قبل بيان فريضة الزكاة.
وأشار إلى دراسة تناولت الوعي بالزكاة في السودان لافتاً إلى أن نتائجها كشفت عن فجوة كبيرة في المعرفة بأحكامها تجاوزت نسبتها 50% .
وتضع هذه النتيجة مسؤولية إضافية أمام المؤسسات الإعلامية والمعهد العالي لعلوم الزكاة لتطوير برامج توعوية تخاطب المكلفين بلغة واضحة وتجيب عن تساؤلاتهم بشأن الأموال الخاضعة للزكاة وكيفية تقديرها ومواعيد أدائها والجهات التي تذهب إليها حصيلتها.
فكلما اتسعت المعرفة بأحكام الزكاة ومقاصدها أصبحت عملية الجباية أكثر ارتباطاً بالوعي والمسؤولية بدلاً من اقتصارها على الإجراءات الإدارية والمالية.
الجباية للمصاريف…
وفي الجانب التنفيذي أوضح نائب الأمين العام للإدارة العامة المصارف الأستاذ عبدالله يوسف بشأن مهام الإدارة العامة للمصارف أن الإدارة معنية بتوجيه 65.7% من حصيلة الجباية إلى المصارف الزكوية . وأشار إلى أن عمل الإدارة يقوم على تنفيذ التوجيهات والخطط وتحويلها إلى برامج تستهدف إيصال الزكاة إلى مستحقيها مع الالتزام بالضوابط الشرعية التي تحكم أوجه الصرف.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية التي فرضتها الحرب وما ترتب عليها من نزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع قدرة قطاعات واسعة من المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
ويظل التحدي الأساسي أمام منظومة المصارف هو تحقيق التوازن بين حجم الموارد المتاحة واتساع دائرة الاحتياج مع ضمان وصول الدعم إلى الفئات المستحقة وتعزيز العدالة في التوزيع بين الولايات والمحليات والمناطق الحضرية والريفية.
مواجهة العلاج…..
وفي ملف الخدمات العلاجية تناول الأمين العام للموارد البشرية والمالية أحمد موسى الجهود المبذولة لمعالجة بعض التحديات المرتبطة بالعلاج خاصة الحالات التي تتطلب تدخلاً مكلفاً أو علاجاً خارج السودان.
وأوضح أن تكاليف العلاج كانت تمثل هاجساً كبيراً مع وصول بعض الحالات إلى مبالغ تتراوح بين 50 و60 مليون جنيه .
وأشار إلى التعاون مع 26 مستشفى ومركزاً في إطار توفير مخارج للحالات العلاجية بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المرضى وأسرهم وتوسيع فرص الحصول على الخدمة العلاجية.
ويمثل هذا الملف أحد أبرز جوانب التحدي أمام برامج الزكاة الاجتماعية إذ تتطلب الحالات المرضية ذات التكلفة العالية تنسيقاً بين الجهات المعنية وآليات واضحة لتحديد الأولويات وضمان توجيه الموارد إلى الحالات الأكثر احتياجاً.
جبهة أخرى للعطاء….
ولم يغفل اللقاء الدور الذي اضطلع به العاملون في ديوان الزكاة خلال الحرب حيث أشار أحمد موسى إلى استمرار العمل في مناطق خطرة وتحمل العاملين مصاعب كبيرة لضمان عدم توقف الخدمات والبرامج.
وأكد أن الديوان تمكن من الوصول إلى مناطق الحرب في عدد من أنحاء السودان مشيراً إلى أن العاملين واصلوا أداء مهامهم رغم الظروف الأمنية والإنسانية المعقدة.
وشدد على أهمية تسليط الضوء إعلامياً على هذه الجهود باعتبارها جزءاً من قصة العطاء التي تستحق التوثيق لا سيما في ظل ما واجهته المؤسسات الخدمية من صعوبات في الحركة والاتصال واستمرار العمل.
كما أشار إلى دور البنوك في المساعدة على إيصال الدعم في سياق الجهود الرامية إلى المحافظة على استمرارية المؤسسة وتجاوز آثار الحرب.
وتبرز هنا أهمية التوثيق الإعلامي بوصفه وسيلة لحفظ ذاكرة العمل الإنساني خلال الحرب وإبراز الجهود التي قد لا تحظى بالتغطية الكافية إلى جانب تعريف الجمهور بحجم التحديات التي تواجه العاملين في الميدان.
وفي عرضه لمهام الأمانة العامة للموارد البشرية والمالية أوضح أحمد موسى أن الإدارة وفق الهيكل الوظيفي تضطلع بنحو 25 مسؤولية فنية وإدارية ومالية.
وتشمل هذه المسؤوليات الإشراف على تنفيذ السياسات واقتراح المشروعات واللوائح وتطبيقها والاستفادة من الموارد المالية المتاحة ومتابعة المشتريات والتخزين فضلاً عن متابعة تقارير المراجعة الداخلية والمراجع العام.
كما تشمل تحسين بيئة العمل وتأهيل العاملين وتدريبهم داخلياً وخارجياً والإشراف على الأصول والآليات والإنشاءات والميزانية المجازة.
وتعكس هذه المهام اتساع الجانب الإداري الذي تستند إليه برامج الديوان باعتبار أن كفاءة الأداء المالي والإداري تمثل عاملاً مؤثراً في تنفيذ الخطط وتحقيق الأهداف، خصوصاً في الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
وأكد موسى ترحيبه بالشراكة مع الإعلاميين والدراميين داعياً إلى تسخير المواهب الإعلامية والإبداعية في دعم العمل الخيري مشدداً على أهمية التعاون بين الديوان وأصحاب الخبرات في مختلف المجالات.
الرقابة…..
وفي محور الرقابة استعرض مدير عام المراجعة والتفتيش حيدر عبد اللطيف دور إدارته في مراجعة عمليات الجباية وأوجه الصرف والتأكد من الالتزام بالمصارف المحددة شرعاً.
و أوضح أن المراجعة الداخلية تتابع المصارف التي تُوجَّه إليها أموال الزكاة وتعد تقارير شهرية ودورية تُرفع إلى الأمين العام بما يساعد في متابعة الأداء ورصد أوجه القصور.
وأشار إلى أن التفتيش الإداري يشمل الطواف على الولايات ومراجعة المستندات وعمليات الصرف إلى جانب متابعة عدالة توزيع المساعدات بين المستحقين في المدن والأرياف.
وأضاف أن أعمال المراجعة تشمل كذلك مراجعة العهد والتسويات والمستندات المالية في نهاية العام في إطار إحكام الرقابة على الموارد وضمان سلامة الإجراءات.
وتكتسب الرقابة أهمية مضاعفة في ظل الظروف الحالية إذ لا تقتصر مسؤوليتها على التأكد من سلامة المستندات والإجراءات وإنما تمتد إلى تعزيز الثقة في عدالة التوزيع والتحقق من وصول الأموال إلى الفئات التي خُصصت لها.
السياسات والمتابعة…
من جهته تناول نائب الأمين العام للجباية مبارك الكودة أهمية الالتزام بالسياسات المنظمة للعمل الزكوي ومتابعتها عبر الاجتماعات الدورية والشهرية.
كما أشار إلى البعد الدعوي في عملية الجباية مستشهداً بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عند بعثه لجمع الزكاة، بما يؤكد ارتباط أداء الفريضة بالتوعية والتبصير بأحكامها.
ويعزز هذا الطرح أهمية التكامل بين الإدارات المعنية بالجباية والدعوة والإعلام، بحيث لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، وإنما ضمن منظومة واحدة تجمع بين التوعية والتنفيذ والرقابة.
التأثير…..
تكشف مخرجات اللقاء أن ديوان الزكاة يسعى إلى توسيع مفهوم الشراكة مع الإعلام بحيث تتجاوز التغطية الخبرية للأنشطة والفعاليات إلى المشاركة في بناء الوعي وتوثيق العمل الميداني وشرح السياسات وإبراز أثر الزكاة في حياة المستفيدين.
غير أن نجاح هذه الشراكة سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى برامج عملية تشمل إنتاج أعمال درامية وتوعوية وإعداد مواد صحفية مبسطة وتقديم معلومات دقيقة عن الجباية والمصارف وإتاحة البيانات التي تساعد الإعلاميين على أداء دورهم الرقابي والتنويري.
وفي المقابل يحتاج الخطاب الإعلامي إلى الانتقال من الاكتفاء بعرض التصريحات والأنشطة إلى تتبع النتائج وقياس أثر البرامج والاستماع إلى المستفيدين وإبراز التحديات التي تحتاج إلى معالجة.
وفي المحصلة فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد اللقاءات أو حجم التغطية الإعلامية وإنما في قدرة الشراكة على سد فجوة الوعي وتعزيز الثقة وإيصال الزكاة إلى مستحقيها بعدالة وفاعلية فحين تتحول الأرقام والسياسات إلى معلومات واضحة ويتحول العطاء إلى قصص موثقة ونتائج قابلة للقياس يصبح الإعلام شريكاً في صناعة الأثر لا مجرد ناقل لأخباره.






