أخبارمقالات وتقارير

قبل أن تُستدرج الشعوب إلى الفتنة.. دم السوداني ليس رخيصاً ودم المصري ليس مباحاً..

الخرطوم/ فوري نيوز

سارة الطيب تكتب:

من حق السودان أن يطالب بالعدالة، ومن واجب الجميع أن يمنعوا الغضب من التحول إلى فتنة.. فلا الدم يُنسى، ولا الظلم يُبرر، ولا الأبرياء يُؤخذون بجريرة غيرهم. وليس من العدل أن يُهدر دم السوداني ثم يُطلب منه الصمت، وليس من الدين أن يتحول وجعه إلى مبرر لإراقة دم مصري بريء. بين الحق والثأر يقف ضمير الأمة، وهناك يُختبر صدق الإيمان وشرف الموقف.
هكذا يضعنا الإسلام أمام ميزان لا يميل مع الغضب ولا يتبدل بتبدل الخصومة: ننصر المظلوم، ونمنع الظالم من ظلمه، ولا نحمل بريئاً وزر غيره. فالحق لا يكتمل بالانتقام، وإنما يكتمل بالعدل. أننا السودانيون لن نُهان في حقنا.. ولن نظلم في غضبنا، ونقول اليوم والفتنة تطل من كل الأبواب ان للسودانيين حق في الغضب، وحق في معرفة الحقيقة، وحق في المطالبة بالمحاسبة. لكن عزة الموقف لا تُقاس بعدد الضحايا، وإنما بقدرتنا على انتزاع الحق دون أن نصنع مظالم جديدة.
وعلينا ان نتقف انه لا حصانة لخطأ رسمي، ولا تبرير لجريمة انتقامية ونطلق القيم الإسلامية النبيلة في هذا الظرف الحساس (لا تزر وازرة وزر أخرى.. انه نداء إلى ضمير الشعبين) ففي لحظات الغضب الشعبي، حين تتناقل الألسن أخبار الدماء، وتختلط مشاعر الحزن بالكرامة المجروحة، يصبح العقلاء أمام امتحان أخلاقي وديني صعب: كيف ننصف المظلوم من غير أن نظلم بريئاً؟ وكيف نطالب بالعدالة من غير أن نفتح أبواب الثأر والفوضى؟ وكيف نحفظ حق الوطن وكرامة أبنائه، من غير أن نسمح للفتنة بأن تلتهم ما تبقى من جسور الأخوة بين الشعوب؟
إن ما أُثير من غضب عقب الأنباء المتداولة عن قصف طيران حربي مصري لمعدّنين سودانيين في منطقة حدودية، وما أعقبه من جريمة قتل استهدفت مصريين في قلب الخرطوم، يضعنا أمام مشهد بالغ الخطورة، يستوجب موقفاً يجمع بين وضوح الحق، وعدالة المطالبة، وحكمة المعالجة.
ان قتل المعدنيين السودانيين بهذه الطريقة الوحشية غير الإنسانية يستوجب تحقيقاً جاداً وشفافاً، وتحديداً للمسؤوليات، وإنصافاً للضحايا وذويهم، ومساءلةً للمسؤولين وفق مقتضيات القانون.
فليس من المقبول أن تتحول حياة الإنسان السوداني إلى أمر هامشي في حسابات الأمن والسياسة والحدود، أو أن يُترك الرأي العام أسيراً للصمت والتبريرات المتناقضة.
لقد كرّم الإسلام الإنسان، وجعل حرمة النفس من أعظم الحرمات، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32].
إن هذه الحرمة ليست امتيازاً تمنحه الجنسية، ولا حقاً يُسلب بسبب الفقر أو التنقيب عن الذهب أو العيش في منطقة حدودية. وهي لا تعني التسوية بين جميع الوقائع والظروف القانونية، لكنها تؤكد أن دم الإنسان لا يجوز أن يُهدر بلا حق.
ومن ثم، فإن من حق السودانيين أن يطالبوا بالحقيقة، وأن يرفضوا أي استهانة بأرواح أبنائهم، وأن ينتظروا من الجانب المصري الرسمي موقفاً واضحاً يليق بخطورة الواقعة، فالاعتراف بالخطأ، حيث يثبت، ليس ضعفاً سياسياً؛ بل هو شجاعة أخلاقية، وأول الطريق إلى إصلاح الضرر ومنع تكراره.
لكن، وفي خضم هذا الغضب المشروع، وقعت جريمة قتل استهدفت مصريين في الخرطوم، بحسب ما أُثير من أنباء. وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً لا لبس فيه: إن استهداف إنسان بسبب جنسيته، أو الانتقام منه بسبب فعل منسوب إلى جهة رسمية في بلده، لا يحقق عدالة، ولا يرد حقاً، ولا يعيد روحاً إلى جسد.
إن كان المظلوم لا يملك أن يسترد حقه إلا بالاعتداء على بريء، فقد انتقل من موقع المطالبة بالعدل إلى دائرة الظلم.
يقول الله تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
وهذه الآية ميزان عظيم في أوقات الخصومة؛ إذ تأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم ونغضب منهم. فكيف إذا كان المستهدف إنساناً لا تثبت له صلة بالقرار العسكري، ولا مسؤولية له عن تصرفات حكومته؟
إن المصري الذي يعمل في الخرطوم ليس بالضرورة مسؤولاً عن قرار عسكري اتُّخذ في القاهرة، مثلما أن السوداني الذي يعيش في مصر لا يتحمل تلقائياً مسؤولية أفعال أي مواطن سوداني.
والجريمة الفردية لا تصبح مشروعة لأن وراءها جرحاً حقيقياً، كما أن الغضب الوطني لا يمنح أحداً حق القصاص بيده.
لقد قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه).
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].
فلا يجوز تحميل شعب كامل وزر قرار لم يتخذه، ولا معاقبة أفراد على أفعال لم يرتكبوها، ولا تحويل الحزن على ضحايا إلى مبرر لصناعة ضحايا جدد.
إن من أكثر ما يؤجج الأزمات بين الشعوب أن يشعر الطرف المتضرر بأن آلامه لا تجد اعترافاً، وأن الدم الذي سال لا يستحق تفسيراً، وأن المطالبة بالحق تُقابل بالتجاهل أو التعالي أو الخطاب الذي ينتقص من كرامة الناس.
ومن هنا، فإن الجانب المصري الرسمي، ، مطالب بالتعامل مع هذه الواقعة الكبرى بما يقتضيه حجمها الإنساني والسياسي: بيان الحقائق، وإجراء تحقيق مستقل وشفاف، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف المتضررين، وتقديم ضمانات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وليس في المطالبة بالمحاسبة تحريض على المصريين، ولا في طلب الاعتذار أو جبر الضرر انتقاص من دولة؛ بل إن الدول القوية حقاً هي التي تستطيع مراجعة أفعالها، والاعتراف بما يثبت من أخطائها، وإنصاف المتضررين منها.
قد يظن بعض الناس أن الدعوة إلى التهدئة تعني مطالبة الضحية بالنسيان، أو إسكات الغاضبين، أو تقديم المجاملة السياسية على دماء الأبرياء. وهذا فهم خاطئ.
فالتهدئة الحقيقية ليست دفناً للحقيقة، والمصالحة ليست حصانة للمخطئ، والعفو فضيلة لا يُفرض على المظلوم قسراً، ولا يجوز أن يكون ستاراً لحرمانه من حقوقه.
إن الإسلام يجمع بين العدل والرحمة، وبين حفظ الحقوق وإطفاء الفتن. قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
فلا نختار آيات العفو لنهرب من المحاسبة، ولا نستدعي آيات القصاص لتبرير الانتقام من الأبرياء. بل نضع كل نص في موضعه، ونجعل العدل أساس المطالبة، والإحسان أفقاً للمصالحة، وسيادة القانون طريقاً لحماية الجميع.
والقصاص في الإسلام ليس فوضى يتولاها الأفراد، ولا ثأراً مفتوحاً يختار فيه الغاضب ضحيته؛ بل هو حق منضبط بأحكام الشرع والقضاء، يقوم على التثبت ومنع الاعتداء.
السودان ومصر أكبر من أن تختزلهما لحظة غضب
بين الشعبين السوداني والمصري تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والإنساني، وروابط أسرية وثقافية وجغرافية، ومصالح متبادلة لا تمحوها واقعة، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتغاضي عن خطأ.
لكن التاريخ المشترك لا يعني أن أحد الطرفين فوق المساءلة، كما أن وقوع أزمة لا يعني أن الشعبين محكومان بالعداء.
إن العلاقات بين الدول لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالاحترام المتبادل، والوضوح، والإنصاف، والابتعاد عن الاستعلاء، والقدرة على معالجة الأخطاء قبل أن تتحول إلى جراح في الذاكرة الشعبية.
وقد أمرنا الله تعالى بالإصلاح، فقال:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].
والإصلاح هنا ليس انحيازاً لطرف على حساب الحق، بل سعي إلى وقف الظلم، ورد الحقوق، ومنع توسع الخصومة، وإعادة الناس إلى ميزان العدل.
كما أن الحكمة تقتضي التمييز بين الشعوب وحكوماتها، وبين المواطن العادي وصاحب القرار، وبين المطالبة المشروعة بالسيادة والحقوق وبين التحريض على الكراهية والعنف.
فلا السودان يستفيد من استهداف المصريين على أرضه، ولا مصر تستفيد من تجاهل آلام السودانيين أو التقليل من شأنها. والخاسر الأكبر، في كل الأحوال، هو الإنسان الذي يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها.
كيف نطفئ الفتنة قبل أن تحرق الجميع؟
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع، كلٌّ بحسب موقعه:
• على الجانب المصري الرسمي: توضيح ملابسات الواقعة الحدودية، والتحقيق الجاد في أي استخدام غير مشروع للقوة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وإنصاف الضحايا، وتجنب الخطاب الذي يزيد مشاعر الاحتقان.
• على السلطات السودانية: التحقيق العادل في جريمة قتل المصريين، وحماية المقيمين، ومنع الاعتداءات الانتقامية، وتأكيد أن أرض السودان ليست ساحة لتصفية الحسابات الجماعية.
• على العلماء والدعاة: بيان حرمة الدماء، ورفض الظلم الواقع على السودانيين، وتحريم استهداف الأبرياء، والتحذير من خطاب الكراهية، من غير مجاملة للسلطة أو تبرير للجريمة.
• على الإعلاميين وصناع المحتوى: التثبت من الأخبار والصور والمقاطع، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات المتداولة، والامتناع عن نشر التهديدات والتحريض والتعميمات التي تحول الغضب إلى عداء جماعي.
• على الشعبين السوداني والمصري: حماية الروابط الإنسانية من محاولات التأجيج، وعدم الانجرار وراء دعوات الانتقام، والتأكيد أن المطالبة بالحق لا تستلزم الاعتداء على الأبرياء.
إننا لا ندعو السودانيين إلى نسيان دماء أبنائهم، ولا إلى الصمت عن خطأ رسمي إن ثبت، ولا إلى تقديم الترضيات السياسية على العدالة. بل ندعو إلى أن تكون المطالبة بالحق أكثر قوة من الانفعال، وأن تكون المحاسبة أكثر جدية من الشعارات، وأن تكون كرامة السودانيين مصونة من دون أن تُنتهك كرامة الأبرياء من المصريين.
ونقول للجانب المصري الرسمي: إن احترام السودان وشعبه لا يكون بالتصريحات وحدها، بل بالشفافية، والاعتراف بما يثبت من أخطاء، والمساءلة، وجبر الضرر، والتعامل مع السودانيين بوصفهم أصحاب حقوق وكرامة، لا مجرد طرف في حسابات الحدود والأمن.
فالحق لا يحتاج إلى كراهية كي ينتصر، والكرامة لا تحتاج إلى ثأر كي تُصان، والدين لا يأمرنا بأن نختار بين العدل والأخوة؛ بل يأمرنا أن نقيم العدل، ونحفظ الدماء، ونسعى إلى الإصلاح.
اللهم احقن دماء السودانيين والمصريين، وأطفئ نار الفتنة، ورد الحقوق إلى أهلها، وألهم أصحاب القرار الحكمة والشجاعة لإنصاف المظلوم، واحفظ الأبرياء من شرور التحريض والانتقام، واجعلنا من القائمين بالقسط، الداعين إلى الحق، الساعين في الإصلاح.
آمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى