
من حروفي
خالد الفكي سليمان
من “مروارتي” 56 إلى حميدتي
لم يكن يتخيّل أهالي “مروارتي”، شمال حاضرة الولاية الشمالية دنقلا، وهي جزيرة في قلب نهر النيل العظيم، أنهم ومن دون قصد سيرسلون رسالة عاجلة إلى أفراد عصابات آل دقلو الإرهابية، وقبل ذلك إلى زعيمهم محمد حمدان “حميدتي”، مفادها أن دولة 56 تبني مشروعاتها الخدمية بالجهد الشعبي ومن حر أموال أبنائها، من دون انتظار أموال الشعب السوداني الموجودة لدى الدولة والتي استولى عليها آل حميدتي، فأصبحوا بين ليلة وضحاها من كبار تجار الذهب في السودان بقوة السلاح، لا بتركة موروثة من الأجداد، ولا بعلم مشهود لأبنائهم بين العباد، وإنما بما حازوه من قناطير مقنطرة من الذهب والفضة.
أهالي “مروارتي” سطروا فصلًا جديدًا من فصول التلاحم والتعاضد الشعبي؛ إذ تدافعوا بكل بساطة لجمع نحو 16 مليار جنيه سوداني، من فقيرهم قبل غنيهم، لتصنيع مركب جديد بدلًا من القديم الذي أفنى عمرًا مديدًا في خدمتهم. وبذلك أكدوا أن إنسان الشمال النيلي يعيش في قمة التهميش والتطنيش من قبل أجهزة الدولة الرسمية، لكنه مع ذلك يلبي احتياجاته بالجهد الشعبي، ويمضي بكل جلد وصبر لمعايشة واقعه المرير المفتقد لأبسط مقومات الحياة الإنسانية وفقًا لمعايير العالم المتقدم، بينما وفق معايير دولة 56، هم في قمة الرفاهية.

إن تصنيع مركب شراعي لتسهيل حركة الأهالي بين الجزر في الشمال، لا يعد تخلفًا في عصر العولمة التي تشهدها وسائل النقل البحري، بل هو فعل له دلالات عميقة لا يدركها غيرهم. والرسالة الأبلغ إلى حميدتي ومن يزعمون أن أهالي الشمال نهبوا ثروات السودان وحازوا على مقاعد السلطة، هي أن الشمال النيلي يعيش أعلى مستويات الفقر وانعدام الخدمات، حتى صار المواطن يقوم بدور أجهزة الدولة الرسمية لتوفير حاجته بالجهد الشعبي، من دون انتظار البيروقراطية المركزية لدولة 56، ودون الحاجة إلى لعب دور الضحية والمظلوم وإنفاق ملايين الدولارات لشراء السلاح وإشعال الحروب وتشريد الآمنين ونهب منازلهم. فالأَولى كان إنفاق تلك الأموال في تنمية وإعمار المناطق التي يُدَّعى أنها مهمشة.
إن جملة القيم المتوارثة بين الأجيال في دولة 56 تقوم على ركائز متينة وأصيلة لاستنهاض الهمم، وإطلاق مشروعات الخدمات العامة بتأسيس المدارس والمشافي ودور العبادة ومراكز العلم ومحطات المياه والكهرباء وغيرها بالعون الذاتي والنفير الجماعي، خدمةً للمجتمع وبعيدًا عن ضوضاء الإعلام ومنصات “السوشيال ميديا”. ولذلك فإن مركب أهالي “مروارتي” ليس مجرد وسيلة نقل، بل شهادة على قوة التضامن وروح الجماعة، وعلى تحويل شعارات التهميش إلى حملات بناء وإعمار الأرض، وتجاوز التحديات بحب الخير ونشر الفضائل، لا باستباحة الحرمات وقتل الأبرياء وصناعة الفوضى وهدم استقرار الآمنين من أجل أطماع شخصية ومكاسب سياسية.
شكرًا لأهل جزيرة “مروارتي”، فأنتم تستحقون الشكر فردًا فردًا، ومن حقكم أن تفرحوا بإنجازكم الفخيم. فبعزيمتكم تصنعون المعابر وتبنون الجسور الرابطة بين قلوب الناس سماحةً وسلامًا ومودةً. يا أحفاد لقمان الحكيم… شكرًا لكم وأنتم تجددون التأكيد أن سكان الشريط النيلي يبنون السودان الكبير بعرقهم ومن حر مالهم، ويهدون للحكومة مشروعات جاهزة تُضاف إلى سجلها.
📩 Khalidfaki77@gmail.com
#السودان#الشمالية#مروارتي #مركب #جهد شعبي






