
سارة الطيب تكتب
*خليل باشا سايرين… رجل الدولة الذي مشى بخُطى الشعب*
بعض القادة لا يمرون مروراً عادياً في حياة من عرفوهم، بل يتركون أثراً لا يمحى، ليس فقط لما أنجزوه من ملفات، ولكن لما منحوه من قيم.
الفريق شرطة خليل باشا سايرين كان من أولئك الذين يَجمعون بين الحزم والرحمة، وبين قوة القرار ودفء القلب.
في وقتٍ تتعاظم فيه التحديات، وتتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، كان خليل باشا حاضراً بمسؤولية نادرة، يتابع التفاصيل الكبيرة بنفس التواضع الذي يفتح به بابه لشكوى مواطن، أو مكالمة صحفي.
تشرفت بالعمل معه في ملفات مهمة، من بينها ورشة ضبط الوجود الأجنبي، و*ورشة التهريب الجمركي*، وكان في كليهما صوتاً عاقلاً، يدير الحوار لا من موقع السلطة، بل من موقع الشراكة الوطنية. كان يؤمن أن الأمن لا يتحقق إلا حين يشعر الناس أنهم شركاء فيه، وأن القانون لا يحترم حين يفرض، بل حين يفهم ويحتضن.
لم يكن خليل باشا صديق الإعلاميين مجازاً، بل فعلياً. لم يعزل الإعلام عن المؤسسة الأمنية، بل فتح له المجال ليكون جسراً بين الشرطة والمجتمع، حريصاً على إيصال الحقيقة، وعلى التعامل مع الكلمة باعتبارها سلاحا لا يقل خطورة عن أي أداة أمنية أخرى.
تحقق في عهده شعار “الداخلية من الشعب وإلى الشعب” بشكل عملي. رأينا مواطنين يدخلون الوزارة بثقة، وخرجوا وهم يشعرون أن لهم فيها سنداً وعدلاً. لم يكن ذلك صدفة، بل ثمرة لرؤية قائدٍ اختار أن يقرب المسافة بين الدولة والناس.
في خضم أزمة وجودية ضربت السودان، وبعد اندلاع الحرب التي هزت أركان الدولة وأربكت مؤسساتها، تسلم الفريق خليل باشا سارين حقيبة وزارة الداخلية، في واحدة من أدق المراحل وأكثرها تحدياً في تاريخ الوطن. لم يكن ذلك مجرد تولٍ لموقع تنفيذي، بل كان تكليفاً وطنياً جسيماً، تطلب حنكة أمنية، وثباتاً قيادياً، وإيماناً لا يتزعزع بالوطن وأمنه.
دخل خليل باشا الوزارة والبلاد في عين العاصفة؛ حيث كانت مؤسسات الأمن تتعرض لهجمة ممنهجة، استهدفت الشرطة بوصفها صمام أمان المجتمع. ورغم ما أصاب الجهاز الشرطي من إنهاك وتفكك في بعض مفاصله، أثبت الرجل أن الإرادة الصلبة والقيادة الواعية قادرتان على إعادة البناء بل وتحقيق التفوق.
ففي فترة وجيزة، أعاد للوزارة هيبتها ومكانتها، وجعل منها حصناً منيعاً وذراعاً أمنية فاعلة لا تلين. واستطاع أن يضبط الأمن الداخلي ويعيد بسط هيبة الدولة في مختلف الولايات، متحدياً صعوبات بالغة وتعقيدات ميدانية وسياسية لم تكن خافية على أحد.
لكن دوره لم يقتصر على استعادة الأمن فحسب؛ بل تحولت الوزارة في عهده إلى واجهة إصلاحية وخدمية. فقد واصلت جهود تحديث نظم الجوازات والرقم الوطني، وفعلت دور الجمارك ومكافحة التهريب، وأسهمت بفعالية في الحد من التواجد الأجنبي غير المنظم، في وقت كانت فيه مؤسسات عديدة تواجه شللاً أو تراجعاً.
ورغم تعدد الإنجازات، يبقى الأبرز هو أن وزارة الداخلية، تحت قيادته، شكلت سنداً قوياً لقواتنا المسلحة في معركة الكرامة، معركة استرداد السيادة وبسط هيبة الدولة، ووقفت جنباً إلى جنب مع الجيش في خندق الدفاع عن الوطن.
واليوم، ومع التشكيل الوزاري الجديد، يغادر الفريق خليل باشا موقعه وقد ترك تجربة وطنية ثرية، وبصمة أمنية لا تمحى. فله منا جزيل الشكر والتقدير، على ما بذله في وقت الشدة، وعلى إخلاصه الذي سيظل شاهداً على ما يمكن أن تحققه القيادة المسؤولة.
وإذ نرحب بالفريق بابكر سمرة مصطفي في موقعه الجديد، فإننا نثق بقدرته على مواصلة المسيرة بالعزيمة ذاتها، وروح المسؤولية التي تتطلبها هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان.






