
سارة الطيب تكتب:
ها هي الأيام تمضي سريعاً… أكثر من عامٍ مرّ على جلوسنا في ذلك المكان الصغير، مكتبنا الذي لم يكن مكتباً بالمعنى المتعارف عليه،
بل خندقاً مفتوحاً على الشمس، يواجه غرفاً إعلامية مدفوعة بالدولارات، ومساحة إيمان لا يظلّلها سوى ورق الأشجار، هناك، تحت السماء مباشرةً، اخترنا أن نكون صوتاً حين اختار كثيرون الصمت.
كنا قلة… والمؤسسات الحكومية تعمل بحدّها الأدنى، خمسة مقابل واحد من الموظفين، والبلاد تعيد ترتيب أنفاسها في بورتسودان.
في تلك اللحظة الفارقة، لم تكن الرؤية واضحة عند كثير من الإعلاميين؛ ترددوا، تمسّكوا بالحياد، وانتظروا حتى تنجلي الصورة. أما نحن فكنا نرى ما لا يحتمل الانتظار: دولة تتعرض لهجمة شرسة، ومجتمعاً تُستهدف روحه قبل أرضه.
لم نشغل أنفسنا بالمكان، بل بالرسالة. لم نكن نملك إلا أقلامنا، وإيماننا، وبعض البنابر وكؤوس الشاي مع أدروب. لكننا امتلكنا بما هو أهم: وضوح الموقف، آمنا أن الحياد في لحظة تهديد الوطن ليس فضيلة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أحياناً أقوى من الرصاصة،
من ذلك المكتب المتواضع أطلقنا أقوى مقالاتنا، وصغنا مواد إعلامية هدفت إلى تثبيت الحكومة التي اتخذت بورتسودان عاصمة، وإرسال رسالة للعالم بأن السودان ليس فراغاً، وأن مؤسساته قادرة على الصمود، رفعنا معنويات المواطن، وساندنا القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها، وكشفنا الشائعات التي كان إعلام المليشيا ينسجها لبث الخوف والإحباط، لم يكن عملنا ترفاً، بل انحيازاً واعياً لوطن يُستهدف.
بدأ التحول من هنا، من الدفاع في حرب فُرضت علينا إلى الهجوم الإعلامي المنظم، كنا نكتب خبراً، فتسارع المليشيا بالرد، كنا نرصد، نحلل، نواجه وكم كانت الفرحة تعلو وجوهنا حين يأتي الرد، لأننا كنا نعلم أن كلمتنا وصلت وأوجعت، كوّنا فريقاً إعلامياً يدافع ويهاجم، دون أن تعلم الدولة عنه شيئاً، ودون أن يجد دعماً يُطوّره إلى عمل مؤسسي يخدم قضاياها، ثم تفرّقنا، وكلٌّ مضى في طريقه، لكن التجربة بقيت شاهدة.
لم ننتظر انتصاراً لنكتب، بل كتبنا لنصنع الثبات حتى يأتي الانتصار. واليوم، بعد أن انتصر الجيش وحققت القوات المسلحة تقدماً تلو التقدم، نرى كثيرين يرحبون بالمشهد، ويتقدمون الصفوف، ويتحدثون بلغة الوضوح التي غابت عنهم بالأمس،
لا نعاتب أحدا، لكننا نُذكّر.
حين لم يكن هناك إعلام حقيقي، كنا نحن.
حين تردد كثيرون، كنا نحن.
حين كان الصمت أسهل، اخترنا الكلمة، مكتبنا أصبح قبلةً للإعلاميين القادمين إلى البحر الأحمر، جلس فيه مسؤولون، ووضعت فيه خططاً، وأُديرت فيه حوارات، لم نمد أيدينا، ولم ننتظر دعماً، كنا نعمل بإيمان، فصار الإيمان دعماً بحد ذاته، تحت هجير بورتسودان، بوجبة واحدة وأكواب من الشاي، كتبنا ما استطعنا، ووقفنا حيث يجب أن نقف.
رسالتي اليوم واضحة: الإعلام ليس موسماً يُفتح مع الانتصارات ويُغلق مع العواصف، الإعلام موقف، ورؤية، ومسؤولية، والدولة مطالبة بأن تضع الإعلام في صدارة أولوياتها، لا بوصفه ملحقاً، بل باعتباره جبهة موازية، فالمعركة ليست بالسلاح وحده، بل بالسردية أيضاً، والسلاح والقلم، إذا اجتمعا، يصنعان نصراً كاملاً لا يهتز.
نرفع القبعات لجيشنا وقواتنا المساندة وهم يحققون الانتصارات، ونقول لكل من التحق اليوم بركب الوضوح: أهلاً بكم في صف الوطن، لكن تذكروا أن هناك من كان هنا منذ البداية، تحت ظل الأشجار، يكتب، ويصبر ويؤمن.
وسنبقى كما كنا، لا ننتظر التصفيق، بل ننتظر اكتمال الحكاية، لأننا ببساطة اخترنا أن نكون هناك، حين لم يكن هناك أحد.






