
للقصة بقية
معاوية الجاك
مشاعر البروف المعز
لا نعتقد أن هناك (جلَبة) ورد فعل لتعيين أيٍ من الوزراء في تأريخ السودان كما هو حال تعيين البروفيسور معز عمر بخيت وزيراً للصحة الإتحادية في حكومة البروفيسور كامل إدريس، فقد استنكفه الاسلاميون واستنكره القحاتة، ولعلها ظاهرة غريبة أو نادرة الحدوث ألا يقبلك المعسكران المختلفان،
الاسلاميون يرون فيه الكاره لهم والرافض لحكمهم والمناهض لوجودهم على المشهد السياسي، بينما يرى القحاتة أن البروف يعتبر (حقهم) بمعيار الاتفاق في كراهية الكيزان ولكن تعيينه فاجأهم كما يفعل العيد السعيد مع تلفزيون السودان، ولذلك ينظرون له من زاوية (كسر الصف وخراب الرصة) والتماهي مع حكومة يقودها عسكر يرونهم القحاتة (كيزان لحم ودم) ومشاركتهم السلطة يعتبر جُرماً يستوجب القتل والصلب في ميدان عام حتى يكون عظةً وعبرةً لكل من تسول له نفسه الأمّارة بحب الاستوزار.
مما تقدم تتضح الصورة جليةً بأن رفض الاسلاميين والقحاتة للبروفيسور معز لا يستند على منطق مصلحة البلد بل هو إرضاء لاشواق ومشاعر جياشة خاصة واشباع لرغبة الكراهية المتبادلة و(تصفية حسابات) لكل طرف، والمؤلم هنا غياب مصلحة الوطن، كنا سنقبل حالة الرفض لتعيين البروف وزيراً للصحة لو أنها ارتكزت على معايير عدم الكفاءة المهنية ولكن هذا لم يحدث، وهذا يعني (No case) كما يقول القانونيون .
ما لم ينتبه له الطرفان (كيزان وقحاتة) أنهم تقمصوا مهمة الحديث (نيابةً واصالةً) عن عشرات الملايين من الاغلبية الصامتة المسكينة من شعب السودان والتي ارهقها السياسيون واطبق عليها الجنجويد، وهذه الاغلبية الصامتة لا تهمها كراهية البروف للكيزان ولا كسره لصف القحاتة، بقدر ما يهمها تحقيق أحلامها من خلال خدمة المسؤول لهم حتى لو كان شيطان رجيم.
الغريب أنه ولعلها المرة الأولى يتفق الكيزان والقحاتة في موقف وهو رفض تعيين وزير الصحة وكنا ننتظر منهم أن يتفقوا في تقديم مصلحة الوطن والمواطن ولملمة شتاتهم وتأجيل معاركهم الخاصة ولو إلى حين.
خلاصة القول فقد كشف الاسلاميون والقحاتة ومن خلال حالة تعيين معز عمر بخيت أن الوطن (ما مشكلة وملحوق ويُعلى عليه) وممكن تمشي عليه عادي بجزمة قديمة كمان من ماركة (تصفية الحسابات) المعروفة والشهيرة والمحبوبة جداً وسط السياسيين وبكل سهولة وهذا يقودنا للتأكد والثقة بألا نحلم بوطن سعيد في ظل سيطرة مشاعر الخصومة السياسية والتي ضاعت معها النظرة المنطقية لمصلحة العامة.
أيها الكيزان والقحاتة، قدموا مصالحكم ولكن في اشياء خاصة في إطار الحزب وليس في اشياء تهم الوطن والمواطن ودعوا البروف يعمل واحكموا عليه بعطائه لا بزاويتكم الخاصة.
ونقول للقحاتة لو افترضنا أن تفاوضاً قد تم بينكم والعسكر (الكيزان) أفضى لمشاركتكم لهم السلطة، فما هو موقفكم حينها؟ وهؤلاء العسكر (الكيزان) شاركتموهم السلطة من قبل وكنتم تتوسدون مكاتب الوزارات وكراسيها الفخمة وتنعمون بكندشتها وفارهاتها ونثريانها الدولارية، فما الجديد عقب تعيين البروف معز؟
أما الكيزان فنقول لهم إن الرجل عارضكم كتنظيم ولم يعارض الوطن وهذه رؤيته فاحترموها.
أما البروفيسور معز عمر بخيت (سبب الغلَبة دي كلها) فنقول له (اعمل ميت من كل الحاصل ده) وكونك تحلف لينا على المصحف أو تحلف بالمشاعر، (ده كله ما بهمنا)، فقط ما يهمنا هو أن (تنجض شغلتك) وتخدم الوطن والمواطن وبعدها سنحاسبك.
وأخيراً ومن باب ذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، نذكر الإخوة السياسيين بوجود وطن منكوب اسمه السودان ومواطن مغلوب وصل الحد.






