عمود ظِلَال القمــــــر
عبدالرحمن محمـــد فضــل
يُعدّ الأمن من أعظم الضرورات الإنسانية التي يحرص الإنسان على تحقيقها في كل زمان ومكان، إذ يتقدم في سلم احتياجاته الأساسية مباشرة بعد الطعام والشراب فبانعدامه تفقد الحياة استقرارها، وتضطرب سبل العيش، ويغدو الإنسان أسيرًا للخوف والقلق وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة الخالدة بقوله تعالى: “الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”، في دلالة بليغة على اقتران نعمة الأمن بنعمة الرزق، وأنهما معًا يشكلان أساس الحياة الكريمة والمجتمع المستقر. ومن هنا، يظل الأمن هو المطلب الأول، وهي حقيقة يؤكدها الواقع حين يطرح تساؤله المشروع: لماذا يتجه المواطنون نحو مناطق سيطرة الجيش؟ لتأتي الإجابة واضحة لأن الأمن هو العامل الحاسم الذي يدفعهم إلى تلك المناطق بحثًا عن الطمأنينة والاستقرار
ومع إطلالة شهر أبريل تعود إلى الأذهان ذكرى اندلاع الحرب في عام 2023، تلك الشرارة التي أفضت إلى فقدان الأمن وسفك الدماء وترويع الآمنين، لتترك خلفها جراحًا غائرة في وجدان الوطن ثلاث سنوات عجاف مضت مثقلة بالأحزان والآلام لا تزال آثارها ماثلة في واقع السودان تستدعي التأمل وتفرض ضرورة البحث عن مخرج يعيد للبلاد أمنها واستقرارها في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة حيث يظل الأمن والاستقرار السياسي حجر الزاوية في بناء الدول وصون كرامة الشعوب فلا تنمية تُرجى ولا حياة كريمة تُنال في ظل الفوضى والانفلات حيث تتراجع مؤسسات الدولة وتغيب هيبتها ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الوطنية الأعرق والأقدر على حفظ التوازن وحماية السيادة والكرامة والامن لقد فرضت الظروف الراهنة واقعاً جديداً باتت فيه “حرب الكرامة” عنواناً لمرحلة فاصلة تتطلب تماسكاً داخلياً وصلابة في الأداء وفي هذا السياق يظهر الجيش كفاعل رئيسي لا يقتصر دوره على المواجهة العسكرية فحسب بل يمتد ليشمل إدارة المناطق التي تقع تحت سيطرته وفق منظومة منضبطة تعكس طبيعة المؤسسة العسكرية القائمة على النظام والالتزام والانضباط والضبط والربط ومن اللافت للنظر ذلك التوجه المتزايد للمواطنين نحو المدن والمناطق التي يسيطر عليها الجيش وهو مشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن الدوافع العميقة التي تحركه فالسؤال الذي يطرحه الواقع بإلحاح لماذا يختار المواطن هذه المناطق تحديداً؟ والإجابة تكمن في جملة من العوامل في مقدمتها الشعور بالأمان وهو المطلب الأول لكل إنسان، إن تعامل الجيش مع المواطنين في تلك المناطق يمثل عاملاً حاسماً في ترسيخ هذا الشعور حيث يسود الانضباط وتُحفظ الحقوق وتُؤمَّن الحياة اليومية بعيداً عن الفوضى والانتهاكات وكذلك تعمل القوات المسلحة على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية والحماية بما يعيد للمواطن ثقته في الدولة ومؤسساتها ويمنحه الإحساس بالاستقرار الذي افتقده في أماكن أخرى ولا يخفى أن المواطن بطبيعته يميل إلى البيئة التي تضمن له سلامته وسلامة أسرته وهو ما يفسر هذا التزاحم نحو مناطق سيطرة الجيش فالأمر لا يتعلق فقط بوجود قوة عسكرية بل بمنظومة قيم وسلوكيات تعكسها هذه المؤسسة في تعاملها مع الناس قائمة على احترام الإنسان وصون كرامته، ويبقى الجيش رغم كل التحديات هو المؤسسة الوطنية الشامخة الراسخة في وجدان الشعب والمسؤولة عن حماية الأرض وصيانة السيادة وهو السياج الصلب الذي يحتمي به الوطن في أوقات الشدة وهو الدرع الذي يتصدى لكل ما يهدد استقرار الوطن، ورغم بطء بعض الإنجازات إلا أن ما يمكن وصفه بـ”الحفر بالإبرة” يظل نهجاً واقعياً في ظل تعقيدات المشهد فبناء الاستقرار لا يتم بين ليلة وضحاها بل يحتاج إلى صبر وتراكم وجهد متواصل وعندها فقط سيدرك الجميع قيمة هذا العمل الدؤوب وأثره العميق في إعادة بناء الدولة على أسس راسخة اهمها الامن وكرامة وعزة المواطن، إن الأمن ليس ترفاً بل ضرورة وجود والاستقرار ليس خياراً بل قدر لا بد منه وفي قلب هذه المعادلة يقف الجيش حارساً أميناً يحمل على عاتقه مسؤولية ثقيلة ويواصل أداءها بعزم واقتدار حتى يستعيد الوطن عافيته كاملة باذن الله تعالى ويعود إلى مساره الطبيعي نحو البناء والنماء والاستقرار.






