مقالات وتقارير

خطاب قيادات قحت بشأن مبادرة الحوار..

الخرطوم /فوري نيوز

شدّد على عدم تكرار تجربة القحاتة وخداعهم للشعب… البرهان..قطع طريق تدخلات الخارج..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

حصدت تصريحات رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، التي أكد فيها أن السودانيين «دفعوا جميعاً ثمن فترة تحالف قوى الحرية والتغيير في الحكم»، وأن ما حدث لن يتكرر، حصدت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وبدا واضحاً أن حديث البرهان قد لامس هاجساً حاضراً في الوعي العام، إذ قابلت قطاعات من المتابعين حديثه بارتياح، باعتباره رسالة تطمين بأن تجربة الحكم السابقة لن تعود بذات الأدوات والوجوه، وأن أي ترتيبات سياسية مقبلة لن تكون بمنأى عن مراجعة ما جرى قبل اندلاع الحرب.

ذاكرة مفتوحة:
ربما تكمن قوة تصريح رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، في أنه استدعى مباشرة ذاكرة مرحلة سياسية لم تغلق ملفاتها بعد، فقوى الحرية والتغيير وصلت إلى السلطة عقب سقوط نظام البشير، وشاركت في إدارة المرحلة الانتقالية، قبل أن تتفجر الخلافات بينها وبين المكون العسكري والقوى السياسية الأخرى، ومع مرور الوقت، تحولت تجربة قحت إلى واحدة من أسوأ فترات الحكم في البلاد من خلال ما شهدته من تجاذبات وتشاكسات واستقطابات وفوضى عارمة اكتست بخطاب كراهية واحتقان حاد انتهى باندلاع حرب ضروس مازال الشعب السوداني يدفع ثمنها قتلاً واغتصاباً وتشريداً وسلباً ونهباً.

درس سياسي:
ويجمع مراقبون على أن حديث البرهان، يأتي تأكيداً على أن المؤسسة العسكرية، وفق رؤيتها المعلنة، لا تنظر إلى المرحلة السابقة باعتبارها تجربة قابلة للاستنساخ، بل باعتبارها درساً سياسياً ينبغي التعلم منه، وتبقى مبادرة الحوار السوداني – السوداني التي طرحها رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة واحدة من الدروس المستفادة من تجربة حكم قحت التي عملت على إقصاء كل الكتل والمكونات السياسية وحاولت الانفراد بالحكم، ليأتي الحوار ويفتح الباب واسعاً أمام جميع القوى الوطنية للمشاركة في نقاش حول مستقبل البلاد.

مشكلة كبرى:
والواقع أن السودانيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب، لن يكونوا مستعدين لتكرار التجارب السياسية التي يرون أنها قادت البلاد إلى الانسداد، وبالتالي فإن المشكلة الأكبر التي تواجه «القحاتة» قد لا تكون في موقف البرهان أو المؤسسة العسكرية، وإنما في المسافة التي اتسعت بينها وبين الشارع السوداني الذي يرى في «القحاتة» ظهيراً سياسياً لميليشيا الدعم السريع، وتوافقوا معها ليعودوا إلى سدة الحكم محمولين على أكتاف ” انقلاب” آل دقلو، ولكن خاب فألهم، لتندلع حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م والتي غيّرت كثيراً من القناعات، وأعادت ترتيب مواقف السودانيين، فكان رفضهم «للقحاتة» جهاراً نهاراً، ولا يخفى على أحد المواقف الاحتجاجية والغضبة الجماهيرية التي تعرض عدد من قيادات قحت في بعض العواصم العربية والأوروبية من سودانيين غاضبين؛ وهي وقائع، تكشف عن حجم الاحتقان الذي بات يحيط ببعض رموز « القحاتة»، ومن هنا تأتي واحدة من أصعب معضلاتهم، ذلك أنه حتى لو تمكنت قحت من العودة إلى طاولة المفاوضات، فإن العودة إلى السلطة شيء، واستعادة الثقة الشعبية شيء آخر تماماً.

خصومة مفتوحة:
ويقدم القيادي في قوى الحرية والتغيير خالد عمر يوسف «خالد سلك» نموذجاً لشكل حدة الخصومة التي يمارسها «القحاتة» ضد المؤسسة العسكرية، والتي انتهت بخالد سلك إلى أن يوجه اتهامات للقوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية في معاركها ضد ميليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات أثارت جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، إذ تكشف عن حجم الهوة التي نشأت بين الطرفين، وعن صعوبة بناء شراكة جديدة في ظل إطلاق اتهامات بهذا المستوى من الخطورة التي ترقى إلى مستوى الخيانة الوطنية.

سقف المرحلة:
ويؤكد خبراء استراتيجيون أن عبارة البرهان «تعلمنا الدرس ولن نسمح بتكرار الخديعة» تحمل بين طيَّاتها رسالةً إلى الداخل والخارج مفادها أن أي تسوية مقبلة لن تكون نسخة من ترتيبات المرحلة الانتقالية السابقة، وأن الطريق أمام « القحاتة» أصبح شائكاً، وأن قيادة قحت تدرك حجم الفجوة بينها وبين المواطن السوداني، وأن التصريحات النارية التي تصدر من بعض رموزها في الخارج قد تكون أسهل بكثير من مواجهة الشارع السوداني في الداخل، بل إن مراقبين يرون أنه حتى في حال افتراض وجود مسار سياسي يعيد قحت إلى طاولة التفاوض، فإن التحدي الذي ينتظرها يتمثل في كيفية عودتها إلى السودان، واستعادة ثقة شعب دفع ثمن الحرب، قتلاً واغتصاباً وتشريداً ونهباً وسلباً.

خاتمة مهمة.
ومها يكن من أمر.. فإن الرسالة الأهم التي أفرزتها تصريحات البرهان هي أن الحرب لم تغيّر موازين القوى العسكرية فحسب، وإنما غيّرت أيضاً المزاج السياسي والشعبي في السودان، وعليه، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الماضي ستصطدم برفض الشارع السوداني منح «القحاتة» فرصة ثانية، ومن هنا فإن المعادلة الجديدة لا تبدو قائمةً فقط على من يملك مفاتيح السلطة، وإنما على هل تستطيع قحت استعادة ثقة السودانيين؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى