
ورقة عمل
أزمة الرجولة ما بعد الحرب: الأبعاد النفسية والاجتماعية ومسارات التعافي
*إعداد: د. معاذ شرفي*
*أخصائي علم النفس*
*2026*
مقدمة:
الحرب لا تهدم البيوت والجسور فحسب، بل تهدم البنى النفسية والرمزية التي يقوم عليها المجتمع. ويعتبر مفهوم “الرجولة” من أكثر المفاهيم التي تتعرض لزلزال عنيف بعد الحروب. فإذا كانت الرجولة في السلم مرتبطة بالحماية والإنفاق والسيطرة، فإن الحرب تجرد الرجل من أدواته التقليدية لإثبات هذه الرجولة، مما يدخله في أزمة هوية عميقة. هذه الورقة تسعى لتفكيك هذه الأزمة وفهم أبعادها وتقديم مسارات عملية للتعافي.
أولاً: إشكالية الورقة
لماذا يصبح الرجل أكثر عنفاً أو صمتاً أو انعزالاً بعد الحرب؟ ولماذا ترتفع معدلات التفكك الأسري والعنف المنزلي والاكتئاب الصامت بين الرجال العائدين من جبهات القتال أو من رحلات النزوح؟
الإجابة تكمن في أننا لا نتعامل مع أزمة اقتصادية فقط، بل مع أزمة معنى: “ماذا يعني أن أكون رجلاً عندما لا أستطيع حماية أسرتي ولا إطعامها؟”
ثانياً: أهداف الورقة
1. تفكيك التحول في مفهوم الرجولة بين ما قبل الحرب وما بعدها.
2. تحليل التداعيات النفسية المترتبة على فقدان الدور التقليدي.
3. رصد انعكاس الأزمة على الأسرة والعلاقات الاجتماعية.
4. اقتراح مسارات عملية لإعادة تعريف الرجولة بشكل أكثر إنسانية ومرونة.
ثالثاً: محاور الورقة
*المحور الأول: التحول الجذري في مفهوم “الرجولة” بين ما قبل الحرب وما بعدها*
في الظروف الطبيعية، ترتبط الرجولة ثقافياً في المجتمع السوداني بثلاث ركائز: الحماية، والإنفاق (المعيل)، والسيطرة على مقاليد الأمور. الحرب تعيد هندسة هذه الركائز بقسوة:
*أ. فقدان الدور الاقتصادي (المعيل):* تدمير سبل العيش، فقدان الوظيفة، وتآكل المدخرات يجرد الرجل من أداته الأساسية لإثبات قيمته. هذا لا يولد فقراً فقط، بل يولد شعوراً بالعجز وفقدان الهوية.
*ب. النزوح واللجوء:* انتقال الأسرة إلى مخيم أو بيت إيجار أو دولة أخرى، يضع الرجل في بيئة لا تعمل فيها خبراته القديمة. قد تضطر المرأة للعمل وتحمل المسؤولية، وهذا التحول الموضوعي إن لم يُدار بوعي، يهز مركز الرجل التقليدي ويجعله يشعر بأنه على الهامش.
*المحور الثاني: التداعيات النفسية – صدمة العجز والشعور بالتقصير*
يعيش الرجل صراعاً بين ما كان عليه وما يفرضه الواقع:
*1. جرح الكبرياء وذنب الناجي:* شعور عميق بالذنب “لم أستطع حماية أهلي”، “أصدقائي استشهدوا وأنا نجوت”، “تركت بيتي”. هذا الذنب يمنعه من الفرح أو النجاح.
*2. الكبت والانفعال (الرجال لا تبكي):* ثقافتنا تسمح للرجل أن يغضب، لكنها لا تسمح له أن يحزن أو يخاف. فيتحول الحزن المكبوت إلى:
– غضب وانفجار لأتفه الأسباب
– قسوة مفرطة وعنف لفظي
– أو صمت وانسحاب واكتئاب عميق
*3. اضطراب ما بعد الصدمة PTSD:* التعرض للقصف، فقدان الرفاق، رؤية الجثث، يترك ندوباً تجعل الرجل يبدو متبلداً عاطفياً، عصبياً، يعاني من كوابيس، غير قادر على النوم أو التواصل الحميم مع زوجته وأطفاله.
*المحور الثالث: التأثير على الأسرة والعلاقات الاجتماعية*
الأزمة لا تبقى داخل الرجل:
*أ. التوتر الأسري:* عندما يشعر الرجل أن سيطرته الحقيقية (الاقتصادية والأمنية) فُقدت، قد يحاول تعويضها بفرض سيطرة وهمية عبر العنف الجسدي أو اللفظي أو التسلط في القرارات الصغيرة.
*ب. صراع الأدوار:* المرأة التي أصبحت تدير البيت وتعمل، لم تعد “تنتظر” قرار الرجل. إذا قوبل هذا التغيير بحساسية واعتباره تهديداً، ينشأ صراع سلطة يدمر الشراكة. أما إذا قوبل كشراكة اضطرارية، يصبح مصدر قوة.
*المحور الرابع: مسارات التعافي وإعادة بناء المعنى الحقيقي للرجولة*
الخروج من الأزمة يتطلب إعادة تعريف جماعي لمفهوم الرجولة:
*1. من الإنفاق إلى الاحتواء: الرجولة كمرونة*
الرجولة في زمن الأزمات ليست في حجم ما تنفقه، بل في قدرتك على:
– التكيف مع الواقع الجديد
– الشراكة الحقيقية مع شريكة الحياة
– تقديم الدعم النفسي والاحتواء للأسرة، وهو دعم لا يقل أهمية عن الدعم المادي
*2. من الكبت إلى التفريغ: الشجاعة في طلب المساعدة*
كسر القاعدة “الراجل ما ببكي”. الاعتراف بالألم والتحدث عنه وطلب الدعم النفسي ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات الشجاعة والمسؤولية. الرجل الذي يتعافى يحمي أسرته من انتقال الصدمة إليهم.
*3. من العجز إلى الفعل: إعادة البناء المهني*
إعادة إشراك الرجل في أي دور إنتاجي، مهما كان بسيطاً (حرفة، عمل تطوعي، زراعة، تعليم أطفال الحي)، يعيد له احترامه لذاته ويكسر حلقة العجز. العمل هنا علاج نفسي قبل أن يكون مصدر دخل.
رابعاً: التوصيات العملية
1. *للمنظمات والمجتمع المدني:* تصميم برامج دعم نفسي مخصصة للرجال بلغة غير وصمة (سمها “برنامج المرونة” أو “برنامج القوة والتوازن” بدل “علاج نفسي”).
2. *للأسرة:* لا تقولي له “انسى” بل قولي “أنا شايفة تعبك ومقدرة”، أعطيه مساحة آمنة ليصمت أو يتحدث دون محاسبة.
3. *للرجل نفسه:* طبق قاعدة الـ 3 يومياً: ساعة عمل مفيد، ساعة تواصل مع الأسرة بدون هاتف، نصف ساعة رياضة أو مشي. هذه الثلاثية تعيد التوازن العصبي.
4. *للأئمة والإدارات الأهلية:* إعادة تقديم نماذج الرجولة في الدين والتراث (الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبكي، ويخيط ثوبه، ويشاور زوجاته) لكسر النموذج الواحد المتسلط.
*الخاتمة:*
أزمة الرجولة بعد الحرب ليست نهاية الرجولة، بل هي فرصة لإعادة ولادتها بشكل أصح. أن ننتقل من رجولة تقاس بالقوة والمال، إلى رجولة تقاس بالقدرة على الصمود، والرحمة، والشراكة، والاعتراف الإنساني. الرجل المتعافي هو حجر الأساس لأسرة متعافية ومجتمع متعاف.






