
حتى لا تموت أمٌ أخرى… توطين زراعة الكبد طوق نجاة
عندما زرتُ مقرّ الجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد، لم تكن الزيارة عابرة، كان المكان هادئًا، لكن داخلي لم يكن كذلك. عاد الألم القديم حيًّا، كأن السنوات لم تمضِ. تذكّرت أمي… وتذكّرت ايام ثقال وتذكّرت وجوه المرضى الذين أنهكهم الكبد كما أنهكها.
أنا ابنة تلك المرأة التي كانت تحتاج إلى زراعة كبد وغيرها كثير من المرضي في مستشفى المناطق الحارة بأمدرمان الذين كانو يعانون من تكلفة العلاج الباهظ الثمن
في عام 2011، لم أترك بابًا لم أطرقه، كان القومسيون الطبي قد قدّر تكلفة العملية بنحو ثمانين ألف دولار، رقمٌ بدا وقتها أكبر من قدرتنا، وأكبر من احتمال قلبٍ يخشى فقدان أمه، لكن ماذا يفعل الإنسان حين يكون العمر معلقًا بمبلغ؟
بعنا الأرض، بعنا ما نملك، طرقنا أبواب الخيرين.
ذهبنا إلى كل جهة يمكن أن تمد يدًا، وفي خضم تلك المعاناة، ظهر وجهٌ آخر للأزمة…
وجه السوق الأسود، ووسطاء العملة، والسماسرة الذين ينخرون في ظهر الاقتصاد كما ينخر المرض في الجسد.
كان الدولار يومها يساوي في السوق الأسود أضعاف ما يساويه في البنوك. عُرض عليّ أن أدفع الجنيهات هنا، وأن يُسلَّم المبلغ دولارا في البلد التي ساجري فيها العملية كنت أبحث عن حياة أمي، لا عن صفقة، وقعتُ ضحية لتلك الفوضى التي يعيشها كل من يُجبره المرض على سباق الزمن.
دفعتُ ما استطعت، أتممت الإجراءات.
فعلت كل ما بوسعي.
لكن أمي… ذهبت.
ذهبت إلى وجه ربٍ كريم، نظيفةً كما كانت، دون أن يتدخل مشرط في جسدها، ودون أن تُستكمل العملية التي حلمنا بها. ذهبت أمي، وبقي الوجع.
بعد وفاتها، ذهبتُ إلى الأمن الاقتصادي وانا بكامل ارادتي أنني سأحارب من يقف ضد تدمير البلد وأبلغتُ عمّا حدث، لم يكن ذلك انتقامًا، بل كان محاولة لعدم تكرار المأساة مع غيري. وألا تُستغل دموع أمٍّ أخرى، ولا يُساوَم قلبُ ابنةٍ أخرى بين السوق الرسمي والسوق
اليوم، وأنا أقف داخل الجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد، أشعر أن ذلك الألم لم يذهب هباءً.
فهذه الجمعية لم تأتِ من فراغ، بل من حاجة حقيقية، ومن قصص تشبه قصتي وقصة أمي.
أن تُوطَّن زراعة الكبد داخل السودان، يعني أن لا تضطر أسرة لبيع أرضها من أجل تأشيرة سفر.
يعني أن لا يُترك المريض فريسة لسماسرة العملة.
يعني أن يكون العلاج أقرب، والتكلفة أقل، والكرامة محفوظة.
بدء العمليات في الخرطوم، بمجمع علياء الطبي، وبمشاركة أطباء ذوي خبرات، ليس مجرد إنجاز طبي؛ إنه إعلان بأن السودان قادر أن يداوي أبناءه بأيدي أبنائه، وأن يحوّل المعاناة إلى مشروع حياة.
عندما تحدثتُ إلى إدارة الجمعية، لم أتحدث ككاتبة أو مهتمة بالشأن الصحي، بل تحدثت كامرأة فقدت أمها. تحدثتُ وأنا أعرف جيدًا ماذا يعني أن تنتظر مكالمة، أو تحويلًا، أو موافقة، بينما المرض لا ينتظر.
وفاة أمي كانت في 2011، خمسة عشر عامًا تقريبًا مرّت، لكن ذلك اليوم لا يغيب، ما أريد قوله اليوم ليس رثاءً متأخرًا، بل دعوة واضحة:
يجب أن نقف جميعًا مع مرضى الكبد.
يجب أن تُدعَم هذه الجمعية بكل قوة،
يجب أن يكون العلاج حقًا، لا صفقة.
ويجب أن لا يموت مريض لأن الدولار ارتفع، أو لأن الإجراءات تعقّدت، أو لأن الأمل تأخر.
أمي رحمة الله عليها رحلت، لكن يمكن لأمهات أخريات أن يبقين.
يمكن لأطفال أن لا يُيتموا.
يمكن لأسر أن لا تُفلس من أجل حياة.
وهنا تكمن قيمة الجمعية السودانية لرعاية وتوطين زراعة الكبد:
ليست فقط مؤسسة طبية، بل جسرًا بين الألم والأمل، بين الفقد والحياة.
ولأجل أمي… ولأجل كل أمٍ تنتظر فرصة…
سأظل أكتب، وأتحدث، وأقف مع هذا الطريق.






