
سارة الطيب تكتب :
منذ أن حطّت طائرةُ الخطوط الجوية الكويتية أمس في مطار الخرطوم، كأول طائرةٍ أجنبية تلامس إطاراتُها أرضَ مقرن النيلين منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يتوقف كرنفالُ الفرح الذي عمّ السودان. لقد كان ذلك أشبه باستفتاءٍ شعبيٍّ عفويٍّ على محبة الكويت الراسخة في وجدان السودانيين؛ فلو كانت الطائرةُ من أيِّ دولةٍ أخرى، لما حصدت كلَّ هذا الدفء وهذا الاحتفاء.
عباراتُ “شكرًا الكويت” غطّت مواقعَ التواصل الاجتماعي، والاحتفاءُ في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة كان القاسمَ المشترك. حتى المليشيا وأبواقها، ولأول مرة، لم يوجّهوا سطرًا واحدًا من النقد؛ وهو ما يعكس قناعةً عامةً بأن الكويت هي ذاتها التي عرفها كلُّ السودان: دولةٌ تقف مع شعبه، بغضِّ النظر عن حاكميه، بلا أجندة، ولا أهدافٍ سوى الوداد والمحبة والإنسانية التي عُرفت بها بلدُ الأخوة الصادقة.
إننا نعتزُّ بالموقف الكويتي، ونحبُّ الكويتَ وأهلَها، ونقدّر عاليًا ربانَ سفينتها في السودان، السفيرَ الإنسان الدكتور فهد مشاري الظفيري، الذي عمل دون كللٍ أو ملل من أجل شعب السودان، وحمل همَّه في دواخله، ورتّب أطولَ حملةِ مساعداتٍ إنسانية انطلقت منذ الأيام الأولى للحرب، عبر جسورٍ جويةٍ وبحرية.
وللأمانة والتاريخ، فقد كنتُ شاهدًا على تلك الجهود خلال فترة نزوحي إلى بورتسودان.
سيحفظ التاريخُ في سجلِّه الناصع كيف أن الكويت كانت إلى جانبنا في أعظم محنةٍ تعرّضت لها بلادُنا، دون أيِّ تدخلٍ في شؤوننا الداخلية، ودون مطالب أو أجندات، سوى تقديم الخير ومدّ الأيادي البيضاء لشعب السودان.
وسيكتب هبوط الطائرة الكويتية بأحرفٍ من نور، في السجل المشرق لعلاقات البلدين وهو يحوى في صفحاته رصيدا وافرا من الضياء عبر مشروعاتٍ تنمويةٍ عملاقة وشراكاتٍ ناجحة، يأتي في صدارتها مشروعُ سكر كنانة، ومبادراتُ الصندوق الكويتي للتنمية في السودان منذ ستينيات القرن الماضي، ومشروعاتُ السدود في مروي والروصيرص وستيت، وتمويلاتُ الكهرباء والمياه وغيرها. كما تقف شركةُ زين درّةً في جيد أنجح الاستثمارات في بلادنا.
ويحفظ أهلُ السودانِ للكويتِ موقفًا نبيلاً يندرُ في عالمِ المصالح؛ فهي أكبرِ الدائنينَ للسودانِ على مستوى العالم، ومع ذلك لم تُشهر يومًا ديونَها في وجهِه، ولم تُحرِجهُ بالمطالبةِ بها، ولم تتخذْ منها وسيلةَ ضغطٍ أو ابتزاز، ولم تُعلِّق دعمَها له رغم تعقيداتِ الظروف. بل ظلَّت الكويتُ سندًا كريمًا، تُقدِّم العونَ بروحِ الأخوّةِ والمسؤولية، في صورةٍ تجسّدُ سموَّ العلاقاتِ ورفعةَ المواقفِ بين البلدين.
ويحفظ أهلُ شرق السودان مؤتمرَ المانحين الذي استضافته الكويت عام 2010، كما يحفظ أهلُ دارفور عشراتِ المشروعات والحملات الإنسانية والقرى النموذجية. وحتى أهلُ الفن، يتذكرون أن أول فيلمٍ سوداني، “عرس الزين”، المأخوذ عن رواية الأديب الراحل الطيب صالح، كان بإخراجٍ وإنتاجٍ كويتي.
ويحفظ كلُّ سودانيٍّ عمل بالكويت ما تحظى به الجالية هناك من محبةٍ وتقديرٍ على أعلى المستويات. وفي الذاكرة الجمعية مواقفُ مشرّفة لا تُنسى، تؤكد أن العلاقة بين السودان والكويت ليست علاقة مصالح عابرة، بل أخوّةٌ ضاربةٌ في الجذور.
إنها ليست زيارةَ طائرةٍ فحسب، بل عودةُ معنى، وتجددُ عهد، ورسالةُ وفاءٍ تقول إن الكويت ستظل في قلب السودان، كما ظل السودان حاضرًا في وجدان الكويت.
#سارة الطيب #تكتب #الكويت #فوري نيوز






