أخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب :حين تتقدم الدبلوماسية

فوري نيوز

حين تتقدم الدبلوماسية… قراءة شخصية في أداء وزير الخارجية

 

خلال فترة تواجدي بالقاهرة، ظللت أراقب عن كثب أداء وزارة الخارجية خلال الأشهر الماضية، وأعترف أنني لمست تحولًا لا يمكن تجاهله منذ تولي السفير محيي الدين سالم مسؤولية الوزارة في سبتمبر 2025.
نحن اليوم أمام مشهد معقد؛ السودان يواجه واحدة من أعنف أزماته، حيث تختلط الحسابات الداخلية بتقاطعات إقليمية ودولية حادة، ويتراجع صوت العقل أمام ضجيج الحرب.

وفي مثل هذه الظروف، كنت أتساءل: هل تستطيع الدبلوماسية أن تصمد؟ وهل يمكنها أن تحمي ما تبقى من شرعية الدولة وسيادتها؟
من خلال متابعتي، أرى أن الإجابة—ولو جزئيًا—هي نعم.
لقد لاحظت بوضوح أن أول ما عمل عليه الوزير هو تثبيت شرعية الحكومة في الخارج.

ورغم كل ما أُثير، لم نشهد اعترافًا جادًا بأي كيان موازٍ، وهو أمر لم يكن مضمونًا في ظل هذه الفوضى.

بل على العكس، استمر الاعتراف الدولي بالحكومة، ولم أرَ تحولًا كبيرًا في مواقف المؤسسات الدولية ضدها. بالنسبة لي، هذا ليس تفصيلًا صغيرًا، بل هو خط الدفاع الأول عن الدولة السودانية.
وفي محور السيادة، أستطيع القول إن الوزير نجح في فرض خطاب واضح—وأنا هنا أستخدم كلمة “فرض” عن قصد—مفاده أن الحل يجب أن يكون سودانيًا. تابعت تصريحاته في أكثر من مناسبة، ولاحظت اتساقًا نادرًا في هذا الطرح. لم يكن الخطاب متذبذبًا أو خاضعًا للضغوط، بل ظل ثابتًا: لا وصاية، ولا حلول مفروضة.
بل إنني أرى أن هذا الخطاب لم يبقَ محليًا، بل وجد طريقه إلى النقاش الدولي، وهو تطور مهم. صحيح أن المبادرات الخارجية لم تتوقف، لكنني لاحظت تراجع الزخم حول بعضها، أو على الأقل تصاعد الشكوك بشأن جدواها.
ما لفت انتباهي أيضًا، خلال متابعتي، هو حديث الوزير المتكرر عن محاولات فرض حلول خارجية على السودان، وكيف تصدت لها الوزارة.

قد يختلف البعض حول تفاصيل هذا الطرح، لكن من الواضح بالنسبة لي أن هناك جهدًا حقيقيًا بُذل للحفاظ على القرار الوطني.
وعندما أنظر إلى بعض المسارات الدولية، مثل مؤتمر برلين، أجد أن النتائج كانت محدودة، بل وأقرب إلى الفشل، خاصة مع محاولات تجاوز الحكومة. وهنا أطرح سؤالًا ظل يرافقني: كيف يمكن لأي حل أن ينجح دون إشراك الدولة نفسها؟ الإجابة، في تقديري، واضحة.
كما تابعت باهتمام تحركات الوزير خارج الإطار التقليدي، خاصة انفتاحه على دول مثل الهند والصين. بالنسبة لي، هذا التوجه نحو “سياسة الشرق” ليس مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة في عالم يتغير. وقد يسهم بالفعل في كسر أي عزلة وخلق هامش مناورة أوسع للسودان.
قد يقول قائل إن كل هذه الجهود لم توقف الحرب، وأنا أتفهم هذا الطرح، لكنني لا أتفق معه بالكامل. من خلال قراءتي، أرى أن تحميل الدبلوماسية وحدها مسؤولية وقف الحرب فيه قدر من التبسيط. فالحروب لا تتوقف بالتصريحات، بل بتوازنات على الأرض وضغوط دولية معقدة، وهي عوامل لم تكتمل بعد.
ومن الجوانب التي أعجبتني شخصيًا، وأقولها بوضوح، توجه الوزير نحو مخاطبة مراكز البحث، خاصة في آسيا.

تابعت بعض هذه المشاركات، ووجدت فيها محاولة ذكية للتأثير على النخب وصناع القرار من خلال الدبلوماسية الفكرية ، وهو أسلوب غير تقليدي في الدبلوماسية السودانية.
بعد نحو ثمانية أشهر من توليه المنصب، أجد نفسي أميل إلى تقييم إيجابي لأداء الوزير. ليس لأنه حقق كل الأهداف—وهذا غير واقعي—ولكن لأنه، من وجهة نظري، نجح في تثبيت الشرعية، وبناء رواية الدولة، ونقل الدبلوماسية السودانية من موقع الدفاع إلى محاولة فرض مبادرة الحكومة كمرجعية للحل.
وربما هذا، في ظل كل ما يمر به السودان، يُعد إنجازًا لا ينبغي التقليل منه.

 

 

#وزير الخارجية #الدبلوماسية  #فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى