أخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب: مؤتمر برلين… بين المقاطعه والحضور الذكي…

فوري نيوز

سارة الطيب تكتب:

في أوقات الأزمات الكبرى، كالتي يمر بها السودان اليوم، يظن البعض أن السياسة تختزل في مواقف رسمية محددة: حضور أو مقاطعة، بيان أو صمت.

غير أن الواقع أكثر عمقًا وتعقيدًا، إذ تظل السياسة في جوهرها سردية تُبنى، وصوتًا يُسمع، ورواية تُقدَّم—إما أن تصوغها بنفسك، أو تُترك لغيرك ليصوغها عنك.
لم يكن مؤتمر برلين مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل شكّل منصة تتكون فيها صورة السودان أمام المجتمع الدولي.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا غاب صوتك، فمن الذي سيتولى رواية قصتك؟
قد تكون المقاطعة في بعض السياقات موقفًا مفهومًا، يحمل رسالة سياسية واضحة، لكن الإشكالية لا تكمن في الرسالة ذاتها، بل في الفراغ الذي تخلّفه.

فهذا الفراغ لا يبقى خاليًا، بل تملؤه روايات أخرى، قد لا تعكس الواقع، ولا تمثل حقيقة ما يجري على الأرض.
من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”الحضور الذكي”، وهو حضور لا يشترط أن يكون رسميًا بقدر ما يتطلب وجود صوت واعٍ، قادر على الشرح والتحليل والتأثير. صوت يمتلك الحجة، ويخاطب العالم بلغة مفهومة ومقنعة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مشاركة شخصيات مثل مبارك أردول ومني أركو مناوي (جاكومي) باعتبارها تعبيرًا عن هذا النوع من الحضور.

فبغض النظر عن المواقف تجاههم، فإن وجودهم في حد ذاته يعكس حرصًا على أن يكون للسودان صوت داخل هذه المنصات، وألا يُترك المجال لرواية أحادية الجانب.
غير أن المشهد لا يكتمل دون النظر إلى ما يجري داخل السودان.

فالحراك الخارجي لا ينفصل عن الداخل، بل يستمد قوته ومصداقيته منه.

وفي هذا الإطار، جاءت قرارات رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس المتعلقة بتسوية أوضاع الأوراق الثبوتية والوثائق—حتى لأولئك الذين تورطوا في الصراع—لتؤكد أن الدولة تتبنى نهجًا قائمًا على الاحتواء وفتح أبواب العودة، لا الإقصاء.
كما حملت المصافحة التي جمعت رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالقائد النور قبة، المنشق عن مليشيا الدعم السريع، دلالات سياسية مهمة، تعكس توجهًا واضحًا نحو تشجيع العودة إلى صف الدولة، وبناء الثقة من خلال مواقف عملية ورمزية، من بينها التنازل عن العربة السيادية، في رسالة تؤكد أن الباب ما زال مفتوحًا لمن يختار الانحياز للوطن.
هذه التطورات مجتمعة تشير إلى أن السودان يتحرك في مسارين متوازيين:

*مسار داخلي يسعى إلى تعزيز المصالحة وتهيئة بيئة للسلام.

*ومسار خارجي يعمل على نقل هذه الصورة إلى المجتمع الدولي، والتأثير في مواقفه عبر الحضور الفاعل في المنابر الدولية.
وعليه، فإن المشاركة في مثل مؤتمر برلين لا يمكن فصلها عما يجري في الداخل، بل تمثل امتدادًا له. فالحضور الخارجي الفاعل يستند بالضرورة إلى واقع داخلي يعكس جدية في السعي نحو الاستقرار.
المسألة، في نهاية المطاف، لا تتعلق فقط بمن يحضر، بل بما يُطرح وكيف يُطرح.

فالمجتمع الدولي لا يتفاعل مع الشعارات، بل مع الخطاب الرصين القائم على الوقائع، والقادر على تقديم رؤية متكاملة للحل.
قد يرى البعض في هذا الحضور نوعًا من التناقض مع الموقف الرسمي، وهو رأي قابل للنقاش، غير أن الغياب الكامل يظل، في ميزان السياسة، أكثر كلفة من الحضور المصحوب بالجدل.
ختامًا، فإن السودان اليوم في حاجة إلى ما هو أكثر من المواقف؛ إنه في حاجة إلى رواية متماسكة تُعبّر عنه بصدق.

فمن لا يروي قصته، سيجد نفسه حتمًا موضوعًا لروايات الآخرين.

وبين الحضور والغياب، يظل الخيار الأجدى هو ذلك الذي يضمن إيصال الصوت، وصياغة السردية، وخدمة مصلحة الوطن.

عشان كده، الحضور في برلين ما مفصول من الحاصل جوة. بالعكس، هو امتداد ليهو. لأنك لما تمشي تتكلم برا، لازم يكون عندك حاجة حقيقية تقولها—واقع بتحاول تبنيه، مش بس خطاب.

#سارة الطيب # موتمر برلين #فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى