مقالات وتقارير

عقب مباحثات وزارية مشتركة بچنيف،، السودان وقطر.. دعم إعادة الإعمار..

فوري نيوز

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

تتجه العلاقات السودانية القطرية إلى مرحلة جديدة تتجاوز الدعم الإنساني والإغاثي الذي طبع سنوات الحرب، نحو شراكات أكثر عمقاً ترتبط بملف التعافي وإعادة الإعمار وبناء القدرات البشرية والمؤسسية، ويأتي اللقاء الذي جمع وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني، معتصم أحمد صالح، بنظيره القطري الدكتور علي بن صميخ المري، على هامش أعمال الدورة الرابعة عشرة بعد المائة (114) لمؤتمر العمل الدولي بچنيف، ليعكس ملامح هذه المرحلة الجديدة التي تسعى إلى تحويل التضامن السياسي والإنساني إلى برامج ومشروعات عملية على الأرض.

تعاون يتجاوز الإغاثة:
وبحث الجانبان خلال اللقاء سبل تفعيل التعاون المشترك بين السودان وقطر، مع التركيز على دعم مشروعات التعافي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات العمل وتنمية الموارد البشرية والتدريب المهني، كما ناقش اللقاء آليات تفعيل اتفاقيات التعاون القائمة بين البلدين وتحويلها إلى برامج تنفيذية تسهم في دعم جهود الحكومة السودانية لاستعادة الخدمات وإعادة بناء المؤسسات المتأثرة بالحرب، ويأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى شراكات إقليمية ودولية فاعلة لمساندة السودان في مواجهة التحديات الضخمة التي خلفتها الحرب، سواء على مستوى البنية التحتية أو الخدمات الأساسية أو سوق العمل.

موقف قطري ثابت:
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٦م، أبدت قطر موقفاً سياسياً ثابتاً يقوم على دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، والتأكيد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وظلت الدوحة تؤكد في مختلف المحافل الإقليمية والدولية رفضها لأي تدخلات خارجية من شأنها تعقيد الأزمة أو إطالة أمد النزاع، مع دعمها المستمر للمبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار الحوار السياسي باعتباره السبيل الأكثر واقعية لإنهاء الأزمة، وعلى الصعيد الإنساني، لعبت قطر دوراً متعاظماً في تخفيف آثار الحرب عبر جسر إغاثي متواصل شمل مساعدات غذائية وطبية ومستلزمات إيواء للمتضررين في عدد من الولايات، فضلاً عن مساهماتها في خطط الاستجابة الإنسانية الدولية الخاصة بالسودان، ودعم برامج اللاجئين والنازحين السودانيين في دول الجوار، كما واصلت فرق الهلال الأحمر القطري ومؤسسات العمل الخيري القطرية تنفيذ مشروعات صحية وإنسانية بالتنسيق مع المنظمات الأممية، بما أسهم في توفير خدمات العلاج والرعاية الأساسية للمتأثرين بالحرب.

عودة السفارة:
وفي مؤشر عملي على الثقة في مستقبل السودان، كانت سفارة دولة قطر من أوائل البعثات الدبلوماسية التي استأنفت نشاطها من العاصمة الخرطوم بعد تحسن الأوضاع الأمنية، حيث رفعت العلم القطري فوق مبنى السفارة واستأنفت أعمالها من مقرها الرسمي، كما أعلن سفير دولة قطر لدى السودان، محمد إبراهيم السادة، استعداد بلاده للإسهام في جهود إعادة الإعمار، خلال لقاءات رسمية مع حكومة ولاية الخرطوم، داعياً إلى إعداد دراسات ومشروعات متكاملة تحدد الأولويات المطلوبة في قطاعات المياه والطاقة والصحة والطاقة البديلة، ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل تقديرات حكومية تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار السودان تتجاوز بكثير حجم المنح والمساعدات التقليدية، ما يجعل الشراكات الاستثمارية أحد أهم مرتكزات المرحلة المقبلة، وتحتل السكك الحديدية المرتبة الأولى في مشروعات إعادة إعمار وتأهيل البنية التحتية الكبرى، إذ تمثل السكك الحديدية والربط الإقليمي واحدةً من الأولويات الاستراتيجية التي تعول عليها الحكومة السودانية لتحريك الاقتصاد واستعادة النشاط الإنتاجي والتجاري.

تعهّدات برلين:
وخلال المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان الذي استضافته برلين في أبريل الماضي، جددت قطر موقفها الداعم للسودان عبر حزمة من التعهدات الإنسانية والسياسية، وأعلنت الدوحة تقديم مساعدات إنسانية تتجاوز قيمتها 75 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة للمتضررين من الحرب، مع التأكيد في الوقت ذاته أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور الأزمة، وشدّدت قطر على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنبع من الإرادة السودانية وتحفظ وحدة البلاد وسيادتها واستقلال قرارها الوطني، مجددة رفضها لأي تدخلات في الشؤون الداخلية للسودان.

طرح أولويات:
وخلال لقائه بالوزير القطري، أعرب وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح عن تقدير السودان للمواقف القطرية الداعمة للشعب السوداني، مشيداً بالأدوار الإنسانية والتنموية التي ظلت تضطلع بها المؤسسات القطرية، وفي مقدمتها (قطر الخيرية)، خلال السنوات الماضية، واستعرض صالح جملة من الأولويات المرتبطة بمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، مؤكداً الحاجة إلى شراكات فاعلة في مجالات التدريب المهني، وتنمية المهارات، وتأهيل المدربين، وتطوير المناهج التدريبية، فضلاً عن دعم التحول المؤسسي وتطوير الخدمة المدنية وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، كما طرح احتياجات السودان المتعلقة بإعادة تأهيل مراكز التدريب المهني، والمراكز الصحية التابعة للصندوق القومي للتأمين الصحي، ودعم الخدمات الأساسية في معسكرات النازحين، إلى جانب برامج ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة الموجهة للشباب، وفي إطار تعزيز التعاون المؤسسي، اتفق الجانبان على تفعيل اللجنة المشتركة المنصوص عليها في اتفاق التعاون بين وزارتي العمل في البلدين، وتحديد نقاط اتصال لمتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

مشروعات للتنفيذ:
وجدّد وزير العمل القطري الدكتور علي بن صميخ المري حرص بلاده على تعزيز التعاون مع السودان، موجهاً بالشروع في تفعيل أعمال اللجنة المشتركة بين البلدين، ودعا المري إلى إعداد مشروعات ذات أولوية مدعومة بدراسات فنية وتكلفة تقديرية واضحة، تمهيداً للنظر في آليات دعمها وتمويلها وتنفيذها، بما يضمن تحقيق نتائج عملية ومستدامة، كما وجه معاليه دعوة رسمية لوزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني لزيارة الدوحة خلال الفترة المقبلة، بهدف متابعة تنفيذ المشروعات المقترحة وتوسيع مجالات التعاون المشترك، وأكد الجانبان في ختام اللقاء أهمية البناء على العلاقات الأخوية الراسخة بين البلدين وتحويل التفاهمات القائمة إلى برامج تنفيذية تسهم في دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وتنمية الموارد البشرية في السودان.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى اللقاء السوداني القطري الذي جرى في جنيف بمثابة مؤشر على انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بملف إعادة البناء بعد الحرب، فقطر التي لعبت دوراً بارزاً في الإغاثة الإنسانية والدعم السياسي خلال الأزمة، تبدو اليوم مهتمة بالمشاركة في مرحلة التعافي عبر مشروعات تنموية ومؤسسية تستهدف الإنسان السوداني والبنية الخدمية في آن واحد، كما أن تركيز الجانب القطري على المشروعات المدروسة والقابلة للتنفيذ يعكس توجهاً نحو دعم قائم على الشراكة والاستدامة، وليس مجرد تقديم منح أو مساعدات مؤقتة، وفي المقابل، فإن السودان يبعث برسالة مفادها أن إعادة الإعمار ليست مجرد إعادة بناء ما هدمته الحرب، وإنما فرصة لإعادة تأسيس مؤسسات أكثر كفاءة، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على استيعاب الشباب وتحقيق التنمية المستدامة، وهي أهداف تبدو الدوحة مستعدة للمساهمة فيها خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى