
قراءة في مكاسب الـ90 يوماً
ثلاثة أشهر تغيّر المعادلة؟ كيف يمكن للحكومة تحويل الهدنة إلى مكسب سياسي
تحليل خاص من فوري نيوز
تطرح الهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر نفسها في المشهد السوداني باعتبارها اختباراً سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، وليس مجرد توقف مؤقت للقتال. والمقاربة التي تختزلها في سؤال: «من سيستفيد عسكرياً من الهدنة؟» تبدو قاصرة؛ لأن الهدنة، إذا كانت متبادلة ومراقبة بآليات واضحة، تمنح فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، لكنها في الوقت نفسه تمنح الدولة السودانية مساحة أوسع لاستثمار عناصر قوة لا تتوافر بالضرورة لمليشيا الدعم السريع، وعلى رأسها مؤسسات الدولة، والقدرة على تقديم الخدمات، والتعامل مع المجتمع الدولي، وفتح الطريق أمام عودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار.
الاعتراض الحكومي على الهدنة، والقائم على احتمال أن تستغلها مليشيا الدعم السريع لإعادة تنظيم قواتها وتحسين وضعها العسكري، مفهوم من زاوية الحسابات العسكرية. لكن هذا المنطق يجب أن يُستكمل بسؤال آخر: إذا كانت الهدنة ستمنح المليشيا فرصة لترتيب أوراقها، ألن تمنح القوات المسلحة والحكومة الفرصة نفسها، وبشروط أفضل؟ مع التقدم للجيش السوداني في عدد من المحاور فالهدنة لا تعني بالضرورة تجميد الصراع السياسي أو الاعتراف بالوقائع التي فرضتها الحرب، وإنما يمكن أن تكون فترة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتثبيت الأمن والخدمات وتطوير آليات الرقابة على وقف النار.
الأهم أن ثلاثة أشهر من الهدوء ستكون امتحاناً سياسياً وإدارياً صعباً للمليشيا الارهابيه في المناطق التي تسيطر عليها . فالتحدي الحقيقي أمام أي قوة تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها سلطة سياسية ليس السيطرة العسكرية على الأرض، وإنما القدرة على إدارة السكان وتوفير الأمن والخدمات وفرض القانون. وقد وثقت تقارير دولية قيام الدعم السريع وحلفائه المجازر والفظائع والانتهكات التي طالت السكان المناطق التي تسطير عليها المليشيا
كما يمكن الاستفادة من رفض مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي إنشاء سلطة موازية باعتباره خطراً على وحدة السودان والأمن الأفريقي
وهنا يمكن للهدنة أن تنقل الصراع من اختبار القوة العسكرية إلى اختبار الحكم والإدارة. فبدلاً من أن يكون السؤال: من يسيطر على مدينة؟ يصبح السؤال: من يستطيع أن يوفر لسكانها الأمن، والغذاء، والمياه، والتعليم، والصحة، وسيادة القانون؟ وهذا اختبار قد يكون أكثر صعوبة على الدعم السريع، خصوصاً إذا كانت رواية الحكومة تقوم على أن مناطق سيطرته تشهد اضطراباً أمنياً ونزوحاً للسكان. وهذه النقطة الأخيرة ينبغي التعامل معها بحذر في الخطاب السياسي، باعتبارها قضية تحتاج إلى أدلة محلية ودولية قابلة للتحقق، لا مجرد توصيف دعائي.
في المقابل، فالحكومة نجحت في توفير الأمن والأمان للسودانيين في المناطق التي تسطير عليها من توفير خدمات وحكم مثل ذلك عبئاً مالياً وإدارياً كبيراً وحربا اقتصاديه ، لكن يمكن تحويل هذا العبء إلى فرصة لبناء مؤسسات الدولة سيكون مكسباً سياسياً مهماً. كما أن الحكومة تستطيع ربط الهدنة ببرامج العودة الطوعية للنازحين واللاجئين وإعادة تشغيل المرافق والخدمات، وهي ملفات تزداد أهميتها مع اتساع الأزمة الإنسانية؛ إذ تشير تقديرات أممية حديثة إلى وجود نحو 14 مليون نازح ولاجئ وحوالي 20 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وهناك مكسب آخر يتعلق بالمعركة الدبلوماسية. فقد ارتبطت جهود الوساطة الحالية بمقترح أمريكي لوقف إنساني لمدة 90 يوماً، يتبعه مسار للتفاوض على وقف دائم وإطلاق عملية سياسية. وقبول مليشيا الدعم السريع بالهدنة هو دليل علي ضعفها فلماذا لاتضع الحكومة السودانيه شروطها التي تضعها خاصة وانها الان في موقع القوه والتي من بين شروطها انسحاب الدعم السريع من المدن التي يسطير عليها منذ بداية وبذلك يكون حول الدعم السريع الي مليشيا لا مكان له في أرض السودان
لذلك، فإن قبول هدنة واضحة الشروط والضمانات يمكن أن تمنح الحكومة مكسباً في معركة الرواية الدولية: بدلاً من ترك المجال لاتهامها بأنها لا تريد وقف الحرب، تستطيع أن تقول إنها تقبل الهدنة من أجل المدنيين، شريطة وجود آلية رقابة وضمانات وعدم تحويل الهدنة إلى اعتراف بالأمر الواقع. وهذا لا يعني أن المجتمع الدولي سيتبنى تلقائياً الرواية الحكومية، لكنه يتيح لها تحسين موقعها الدبلوماسي إذا اقترن القبول بسلوك عملي في حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات.
أما مسألة التقسيم، فالأفضل ألا تُطرح باعتبار أن الهدنة ستؤدي حتماً إليه، بل باعتبارها مشكلة سياسية قائمة أصلاً ينبغي منع تحولها إلى أمر واقع. فالدعم السريع أنشأ بالفعل هياكل حكم موازية في دارفور ومناطق أخرى، بينما أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما مواقف رافضة لإنشاء حكومات موازية تهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه.
ومن هنا يمكن أن تكون الهدنة جزءاً من استراتيجية حكومية أوسع تقوم على ثلاثة شروط: عدم الاعتراف بأي سلطة موازية، انسحاب الدعم السريع من مناطق التماس والمدن وفق ترتيبات قابلة للتحقق، ورفض أي مسار يؤدي إلى تقسيم السودان أو تحويل مناطق السيطرة العسكرية إلى كيانات سياسية دائمة. وبذلك تصبح الهدنة أداة لمنع تثبيت الانقسام، لا سبباً له.
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى الهدنة باعتبارها تنازلاً عسكرياً بالضرورة، وإنما باعتبارها ميداناً جديداً للصراع السياسي والدبلوماسي والإنساني. وإذا استطاعت الحكومة خلال ثلاثة أشهر أن تحافظ على مؤسسات الدولة، وتحسن الخدمات، وتيسر عودة السكان، وتثبت التزامها بالمساعدات الإنسانية، وتحصل على دعم دولي واضح لوحدة السودان ورفض الحكومات الموازية، فقد تتحول الهدنة من فترة يخشى منها عسكرياً إلى فرصة لإعادة بناء موقع الدولة سياسياً.
أما الشرط الأساسي، فهو أن تكون الهدنة محددة المدة، واضحة الالتزامات، قابلة للمراقبة، ولا تمنح شرعية سياسية للسيطرة العسكرية. عندها يصبح السؤال ليس فقط: ماذا سيكسب الدعم السريع من ثلاثة أشهر بلا قتال؟ بل أيضاً: ماذا تستطيع الدولة السودانية أن تنجز خلال هذه الأشهر الثلاثة؟ وهذه، في جوهرها، هي الزاوية التي تستحق أن تحتل مركز النقاش.







