سارة الطيب تكتب:
امرأة واحدة في مجلس السيادة، وأخرى في مجلس الوزراء! أهذا هو نصيب نساء السودان من السلطة، بعد كل ما قدمنه من تضحيات، وما تحملنه من أوجاع الحرب والنزوح والفقد؟ أهذا هو المقابل لمشاركة النساء في الميادين ، ومقاومة الظلم، وإطعام الجائعين، وإيواء النازحين، وحماية ما تبقى من حياة وسط ركام الحرب؟
إنها ليست مجرد أرقام في كشف رسمي؛ إنها مرآة لخلل عميق في ترتيب الأولويات، وسؤال موجع عن مكانة المرأة في دولة تتحدث عن المستقبل، بينما لا تمنح نساءها حضوراً يتناسب مع حجم معاناتهن ومساهماتهن.
أين النساء من السلطة التي يُفترض أن تدافع عن حقوقهن؟
في السودان، لم تكتفِ المرأة بدفع ثمن الحرب؛ بل وجدت نفسها في مواجهة النزوح والفقر والعنف والانتهاكات، وفقدان المعيل، وانقطاع التعليم والعلاج، وتحمل مسؤولية أسر كاملة في ظروف لا ترحم. نساء اضطررن إلى الفرار من بيوتهن، وأخريات واجهن مخاطر مروعة، وغيرهن يقفن يومياً في غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية لإنقاذ الأرواح، في وقت تتراجع فيه الخدمات وتضيق سبل العيش.
ومع ذلك، حين ننظر إلى قمة مؤسسات الحكم، نجد تمثيلاً نسائياً محدوداً للغاية. فأين أصوات هؤلاء النساء في القرارات المتعلقة بالسلام، والعدالة، وإعادة الإعمار، والحماية الاجتماعية؟ ومن يحمل مطالب النازحات والأرامل والناجيات من العنف إلى طاولات القرار؟
لا نقول إن وجود امرأة في منصب رفيع عديم القيمة، ولا إن كل امرأة تتحدث بالضرورة باسم النساء؛ لكننا نرفض أن تتحول المناصب القليلة إلى ذريعة للقول إن المرأة حاضرة، بينما تظل قطاعات واسعة من النساء خارج دائرة التأثير الحقيقي.
كفى تفرقاً.. حان وقت توحيد الصف النسائي!
إن أخطر ما يواجه الحركة النسائية ليس ضعف العدد وحده، بل تشتت الجهود وغياب جسم مستقل وواسع التمثيل يستطيع جمع النساء حول برنامج واضح للدفاع عن حقوقهن ومصالحهن.
نحتاج إلى كيان نسائي وطني ديمقراطي، لا تصنعه السلطة ولا يحتكره حزب أو تيار، بل تبنيه النساء بأنفسهن، بمشاركة الناشطات والنقابيات والمهنيات والمبادرات المجتمعية وممثلات النازحات والنساء في الأقاليم. كيان يرصد الانتهاكات، ويراقب التشريعات والسياسات، ويضغط من أجل تمثيل عادل، ويحاسب المسؤولين، ويرفض أن تُؤجَّل قضايا النساء باسم الحرب أو الضرورات السياسية.
فحين تغيب النساء عن مواقع التأثير، يصبح الدفاع عن احتياجاتهن أكثر صعوبة، وتزداد احتمالات تهميش قضاياهن في التفاوض على السلام، وفي توزيع الموارد، وفي صياغة مستقبل البلاد.
لسنا طالبات مقاعد.. نحن شريكات في الوطن والقرار.
إن نسبة الأربعين في المئة التي ارتبطت بالوثيقة الدستورية لعام 2019 تظل حاضرة في النقاش حول المشاركة النسائية، مع ضرورة التحقق من نطاقها القانوني وأحكامها النافذة قبل اعتبارها ملزمة لكل مؤسسات الحكم الحالية.
لكن أبعد من النصوص، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن بناء دولة عادلة بنصف مشاركة، ولا صناعة سلام مستدام بينما تُهمَّش أصوات النساء اللواتي يتحملن جانباً كبيراً من كلفة الحرب.
لقد دفعت المرأة السودانية من أمنها وبيتها ولقمة عيشها، وقدمت من وقتها وجهدها وكرامتها ما لا يمكن تجاهله. ومن حقها اليوم أن تسأل، وأن تنظم صفوفها، وأن تنتزع مكانها بالوسائل المدنية والقانونية.
إما أن تتحول تضحيات النساء إلى قوة منظمة تحمي حقوقهن، أو يظل صوتهن موزعاً بين المآسي والوعود.
آن الأوان لأن تتوحد نساء السودان؛ لا طلباً لمنّة من أحد، بل دفاعاً عن حق أصيل في السلطة والمواطنة والكرامة. فالحقوق التي لا يحرسها تنظيم قوي يسهل تأجيلها، والقضايا التي لا تجد صوتاً موحداً يسهل إسكاتها.
لن تنتظر النساء من يفسح لهن المكان؛ عليهن أن يتوحدن ليصبحن قوة لا يمكن تجاوزها.
فالسؤال لم يعد: كم امرأة تجلس في قمة السلطة؟ بل: متى تصبح للنساء السودانيات قوة منظمة تحمي حقوقهن، وتدافع عن مصالحهن، وتضمن ألا تُتخذ القرارات المتعلقة بمستقبلهن في غيابهن؟
إن توحيد النساء حول مشروع حقوقي وطني ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة تفرضها لحظة السودان الراهنة؛ لأن الحقوق التي لا تجد من يحميها تظل معرضة للانتقاص، والقضايا التي لا تجد صوتاً منظماً يدافع عنها يسهل تأجيلها.
والمرأة السودانية التي كانت حاضرة في الميادين ، وفي طرق النزوح، وفي غرف الطوارئ، تستحق أن تكون حاضرة أيضاً حيث تُصنع القرارات ويُرسم مستقبل الوطن.






