اصدرت وثيقة الأمن القومي الأمريكية الجديدة لعام 2025 لتشكّل أول تعبير شامل عن رؤية الرئيس دونالد ترامب للعالم بعد عودته للبيت الأبيض، ورغم أن الوثيقة تأتي ضمن تقليد راسخ في صياغة رؤى الأمن القومي، إلا أنها تختلف جوهريًا عن الوثائق السابقة منذ نهاية الحرب الباردة فهي لا تعتنى ببناء النظام الدولي، ولا بترسيخ قيم الديمقراطية الليبرالية، ولا بالالتزامات الأخلاقية التي اعتادت إدارة واشنطن الادعاءبالتمسك بها ، إنها وثيقة المصلحة أولاً بامتياز ، وتعكس صورة الدولة التى لا تتردد في إعادة تعريف دورها العالمي بعيداً عن ثقل التحالفات التقليدية.
والوثيقة تعيد إنتاج النسخة الأكثر صلابة من عقيدة ترامب المعروفة بأمريكا أولاً ، ولكن بصياغة مؤسسية هذه المرة فبدلاً من الخطاب الشعبوي المعتاد، تتحول الأفكار إلى المبادئ الاستراتيجية الثابتة فالأمن الأمريكي يبدأ من الداخل عبرالحدود، الهجرة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود ، مع تقليص الالتزامات الدولية التي لا تُنتج عائدًا اقتصاديًا أو أمنيًا مباشرًا ، بالاضافة إلى رفض فكرة العالم الحروالتحالفات الأيديولوجية التي كانت مركزية في السياسة الأمريكية منذ ترومان، مع اعتبار القوة الاقتصادية هي أساس النفوذ العالمي لا المؤسسات الدولية ولا القيم الديمقراطية ، وهىوثيقة واقعية تُحاكم العالم بميزان القوة والمصلحة، لا بميزان القيم والالتزامات الأخلاقية.
والجديد في الوثيقة هو الاعلان الصريح لعودة عقيدة مونرو التي تمت صياغتها عام 1823م ، والتي تعتبر نصف الكرة الغربي منطقة النفوذ الحصري للولايات المتحدة الأمريكية ، وهذه العودة تحمل في طياتها ضمان السيادة الاستراتيجيةالأمريكية على أميركا اللاتينية ومنع القوى الكبرى الصين، وروسيا من التمدد في القارة ، وإعادة بناء الحزام الأمني والاقتصادي الذى يبدأ من الحدود الأميركية وينتهي عند المضائق البحرية في الكاريبي.
وبهذا تتحول الولايات المتحدة الأمريكية من الدولة العالمية إلى الدولة ذات مركز نفوذ محدد بوضوح، مع استعداد للتدخل حين يُهدد هذا المركز مباشرة.
كما ترفض الوثيقة توصيف الصين كعدو استراتيجي، وتضعها بدلاً من ذلك في إطار التنافس الاقتصادي ، وهذه المقاربة البراغماتية تمنح واشنطن حرية أكبر في المناورةوالضغط الاقتصادي عند الحاجة، والتعاون التجاري حين يخدم مصالحها،والردع العسكري دون الذهاب إلى الحرب الباردة الجديدة ، ولاشك أنها صياغة تتجاوز الهوس الأميركي التقليدي بالـتهديد الصيني الوجودي، لتضع الأمر في سياقه الطبيعي.
وللمرة الأولى أيضاً منذ الحرب العالمية الثانية تعلن الوثيقة الأمريكية الرسمية أن أوروبا لم تعد شريكًا موثوقًا، وأن الالتزامات الدفاعية تجاه الناتو ليست ضمانًا تلقائيًا، وأن واشنطن لن تمول دفاعات أوروبا دون مقابل ، وهذا التحول يعني عمليًا زعزعة الدعامة الأساسية للنظام الدولي الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1945 م ، وهو يعكس رؤية ترامب للعالم فكل دولة يجب أن تتحمل تكاليفها ولا حماية مجانية تحت مظلة القيم المشتركة.
وتعتمد الوثيقة ثلاثة مبادئ في التعامل مع الشرق الأوسط وأفريقيا ، تتمثل في أنه لا تغيير فى الأنظمة ولا الرهان على الديمقراطية الموعودة ، مع دعم الأنظمة المستقرة التي تحقق مصالح واشنطن في الطاقة والأمن والتعامل مع الملفات الساخنة فى إيران، اليمن، ليبيا، وفلسطين من منظور إدارة الأزمة لا حلّها، وبذلك تتحول منطقة الشرق الوسط إلى ساحة مصالح ، وإلى حيز وظيفي يخدم أمن الطاقة، والاستثمار، ومحاربة الارهـ.ـاب.
والحقيقة أن هذه الوثيقة تُخرج الولايات المتحدة الأمريكية من دور الشرطي العالمى إلى دور الدولة العظمى التى تدير نفوذها بحدود واضحة.
وهذا ينعكس على نهاية عالم الأحلاف فالدول عليها أن تبحث عن الحماية الذاتية، وتنويع شراكاتها، وبناء القدرات المستقلة ويتعاظم الدور المصري في الأمن الاقليمي ومنطقة مثل الشرق الأوسط قد تشهد تعاظم الدور التركي وصعود إيران رغم الضغوط ، مع المزيد من المبادرات الإماراتية والسعودية، في الأمن الاقليمي.
ولكن الأهم هو وجود عالم متعدد المراكز ينتهي فيه هاجس النظام الدولي بقيادة أميركية، ويبدأ النظام القائم على التوازنات المتغيرة وتحمل الوثيقة عدة رسائل مباشرة للعالم العربي تتمثل في الاعتماد على الذات هو الأساس، وواشنطن لن تخوض معارك الآخرين ، ومن يتحكم بالاستقرار الداخلي يصبح شريكًا رئيسيًا ، ومصر والسعودية والإمارات من قوى الاستقرار، وهو ما يرفع من وزنها الاقليمي، والقضية الفلسطينية ستُدار كملف أمني لا سياسي ، والتنافس في البحر الأحمر والقرن الأفريقي سيزداد بسبب الانسحاب الأميركى النسبي ، وهذه التحولات تفرض على الدول العربية منطقًا جديدًا في بناء سياستها الخارجية، يعتمد على تعدد الشراكات مع واشنطن ، بكين ، موسكو ، أوروبا ، وأفريقيا.
والحقيقة أن وثيقة ترامب للأمن القومي 2025م ليست مجرد توجه استراتيجي، إنها إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من التاريخ الدولي ، بل إنها تؤكد نهاية العصر الأميركي بصيغته الليبرالية، وصعود المرحلة الواقعية الصلبة، وفيها تركز واشنطن على نفسها، وإعادة تشكيل العلاقات الدولية على قاعدة النفوذ المباشر والمصلحة البحتة.
إذن نحن أمام وثيقة تُعيد تعريف القوة الأميركية لا كقوة عالمية قائدة، بل كقوة تتصرف وفق حساباتها الخاصة ، دون الالتفات لثقل المؤسسات الدولية أو التزامات النظام العالمي.
وهي بداية مرحلة العالم المتشظي، حيث تتقدم الجغرافيا السياسية على القيم، وتعود الدولة القومية إلى المركز ، وتتحول السياسة الدولية إلى الصراع المفتوح بين مناطق النفوذ، لا بين المشاريع الكونية.





