مقالات وتقارير

مقديشو 1993 اليوم الذي سقطت فيه هيبة القوة العظمى

الخرطوم فوري نيوز

عمود ظِلَال القمــــــر
عبدالرحمن محمـــد فضــل
amff95@yahoo.com

__________

بورتسودان: فوري نيوز

مقديشو 1993 حين انكسرت أسطورة القوة في أزقة الصومال
في عام 1993 وجدت الولايات المتحدة نفسها منخرطة في واحدة من أكثر عملياتها العسكرية الخارجية تعقيدًا وإحراجًا، حين أُوكلت إلى فرقة «دلتا فورس» مهمة اعتقال الجنرال الصومالي محمد فرح عيديد، الرجل الذي كانت قواته تفرض نفوذها على نحو ثلثي الأراضي الصومالية في خضم الحرب الأهلية مهمة بدت في تقدير المخططين العسكريين أقرب إلى «عملية خاطفة»، لكنها سرعان ما تحولت إلى مواجهة دامية ستدخل كتب التاريخ العسكري من أوسع أبوابه تمركزت القوة الأمريكية قرب العاصمة مقديشو، واتخذت من أحد المطارات قاعدة لعملياتها، حيث أمضت قرابة شهرين في رصد تحركات عيديد والتخطيط للحظة اعتقاله. ومع حلول اليوم الموعود، سادت قناعة داخل غرف القيادة بأن العملية لن تستغرق سوى ساعات قليلة، وأن التفوق العسكري والتقني كفيل بحسمها دون تعقيدات تُذكر غير أن شوارع مقديشو كان لها رأي آخر فقد اندلعت معركة شرسة وغير متوقعة، واجهت فيها القوات الأمريكية مقاومة عنيفة من مقاتلين صوماليين كانوا يُوصَفون في الخطاب العسكري الغربي آنذاك باستخفاف بأنهم «رعاة» وأسفرت المواجهات عن إسقاط مروحيتين أمريكيتين من طراز «بلاك هوك»، ومقتل 17 جنديًا أمريكيًا، إضافة إلى أسر طيارين، في مشاهد صادمة تناقلتها عدسات الصحافة العالمية، وخلّفت أثرًا بالغًا على الرأي العام الأمريكي ورغم أن كلفة المعركة كانت أفدح على الجانب الصومالي حيث قُتل نحو 1400 شخص معظمهم من المدنيين الأبرياء فإن الهدف الأساسي للعملية لم يتحقق فلم تتمكن فرقة «دلتا» من الوصول إلى الجنرال محمد فرح عيديد الذي نجا من الاعتقال وعاش ثلاث سنوات أخرى بعد تلك الأحداث قبل أن يتوفى عام 1996 متأثرًا بإصابته في اشتباك مع أحد ضباطه إثر تمرد داخلي وبعد خمس سنوات من وفاة “عيديد” عادت القصة إلى الواجهة عبر السينما الأمريكية حين أنتجت هوليوود الامريكية فيلم «بلاك هوك داون” (سقوط الصقر الأسود) الذي تناول تفاصيل تلك العملية العسكرية ورغم محاولات التجميل الدرامي، لم يستطع الفيلم إخفاء حقيقة الهزيمة التي مُنيت بها القوة الأمريكية في الصومال، ولا الأثر العميق الذي تركته معركة مقديشو على العقيدة العسكرية الأمريكية لاحقًا هكذا لم تكن أحداث عام 1993 مجرد معركة عابرة بل محطة فارقة كشفت حدود القوة حين تصطدم بإرادة الشعوب ورسخت درسًا قاسيًا مفاده أن التفوق العسكري لا يضمن دائمًا النصر، خصوصًا حين تتحول المدن إلى ساحات مقاومة وتتحول الحسابات الباردة إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى