مقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب :سعد بابكر… حين كان الظلم يُمارس باسم السلطة

الخرطوم فوري نيوز

بورتسودان:  فوري نيوز

سارة الطيب تكتب :سعد بابكر… حين كان الظلم يُمارس باسم السلطة..

في السودان، لا تُقاس معركة الكرامة بالسلاح وحده، بل تُقاس أيضًا بكيفية معاملة من اختاروا الانحياز للوطن في زمن الابتزاز. ومن بين القصص التي تكشف هذا الوجه الخفي للصراع، تبرز قضية سعد بابكر، المدير العام لشركة تاركو للطيران، بوصفها واحدة من أوضح وقائع استغلال النفوذ، حين تحوّل النجاح إلى تهمة، والوطنية إلى سبب للعقاب.
في مقال سابق بعنوان «نصر جديد في البحر بطلته الكنداكة الخالدة ريناس»، كانت تاركو حاضرة كرمز لقدرة المؤسسات الوطنية على الصمود والعبور وسط العواصف. لم يكن ذلك احتفاءً بإنجاز فني فحسب، بل توثيقًا لدور وطني في لحظة فاصلة. غير أن ما لم يُقل آنذاك، هو أن كل موقف وطني صريح كان له ثمن باهظ.
عادت قضية سجن سعد بابكر إلى الواجهة مجددًا، عقب ما كشفه الصحفي مهند الشيخ في تسجيل مصوّر، قدّم فيه شهادة مباشرة عن واحدة من ممارسات النفوذ التي مورست خارج إطار القانون، خلال فترة تمدد قادة الدعم السريع داخل مفاصل الدولة.
لم يكن الحديث انطباعيًا أو قائمًا على شائعات، بل سردًا لوقائع جرت في وضح النهار، واستُخدمت فيها السلطة كأداة للإيذاء الشخصي والاقتصادي، في غياب تام لمبادئ العدالة.
لم يكن سعد بابكر متهمًا في قضية جنائية، بل رجل أعمال يقود شركة وطنية تعمل في قطاع حيوي. إلا أن النجاح في تلك المرحلة كان كافيًا لإثارة الأطماع.
أُعتقل تعسفيًا، ومكث أكثر من ثمانية أشهر خلف القضبان، في واقعة تجسد الاعتقال خارج القانون بأوضح صوره، دون سند قضائي حقيقي أو اتهام مُثبت.
الأكثر قسوة، أنه وُضع في سجن كوبر مع أصحاب المادة 130، وعومل معاملة مهينة لا تليق بإنسان، فضلًا عن رجل خدم وطنه بإخلاص. وبتوصية مباشرة من قادة الدعم السريع، طُلب منه غسل حمامات السجن، في مشهد لم يكن الهدف منه العقاب، بل الإذلال المتعمد وكسر الكرامة، ومحاولة تحطيم الرمزية المعنوية لرجل رفض الخضوع للابتزاز.

لم يتوقف الأمر عند السجن.

فقد رافقت الاعتقال حملات تشويه منظمة، قُدّمت خلالها روايات مفبركة للرأي العام، في محاولة لتحويل الضحية إلى متهم، وإضفاء غطاء أخلاقي زائف على جريمة مكتملة الأركان.
كان تشويه السمعة جزءًا من العقوبة، لا تفصيلًا عابرًا، في ممارسة اعتادت فيها السلطة الموازية استخدام الإعلام كسلاح.
ترك هذا الضغط النفسي والجسدي أثره العميق. تدهورت صحة سعد بابكر، فأُصيب بارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب، قبل أن تتفاقم حالته ويضطر لاحقًا للسفر إلى الأردن، حيث خضع لعملية جراحية في القلب.
كانت رحلة العلاج امتدادًا طبيعيًا لظلم طال الجسد والنفس معًا.
وعندما قالت المحكمة العليا كلمتها، وبرّأته من جميع التهم، لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني، بل إقرارًا رسميًا بأن ما جرى لم يكن خطأً إداريًا، بل ظلمًا متعمدًا استُخدمت فيه السلطة خارج إطار العدالة.
رغم كل ما جرى، لم تسقط تاركو للطيران.
بقيت تعمل، وتحلق، وتنقل المرضى والطلاب والنساء، وتؤدي دورها كشريان وطني في واحدة من أحلك فترات السودان. لم تكن شركة تبحث عن ضوء، بل مؤسسة اختارت الصمت والعمل، في وقت كان فيه الانحياز للوطن مكلفًا.

قصة سعد بابكر ليست قصة شخص، بل شهادة على مرحلة كاملة مورست فيها الانتهاكات باسم السلطة وتحت غطاء الدولة.

وهي تذكير بأن الحرب لم تبدأ فجأة، بل سبقتها ممارسات طبّعت الظلم، وكسرت هيبة القانون، وحوّلت القوة إلى أداة حكم.
في زمن تتداخل فيه الذاكرة مع الخراب، تبقى مثل هذه الشهادات ضرورة للفهم لا للانتقام.
فمن لا يواجه ظلم الأمس بوضوح، سيعجز عن تفسير كوارث اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى