
فوري نيوز
بقلم : محمد عمر
تمثل الممتلكات العامة إحدى أهم ركائز الاستقرار والتنمية في أي دولة ، فهي الوعاء الذي تُقدَّم من خلاله الخدمات الأساسية للمواطنين في مجالات التعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق والمرافق الخدمية المختلفة.
وفي السودان، حيث تمر البلاد بمرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية ، تبرز أهمية الحفاظ على الممتلكات العامة بوصفه واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يقل شأنًا عن أي واجب آخر تجاه الوطن .
فالممتلكات العامة ليست ملكًا للحكومة بمعناها الضيق ، بل هي ملك للشعب كله، أُنشئت من المال العام لتعود فائدتها على الجميع. وكل اعتداء عليها ، سواء بالتخريب أو الإهمال أو الاستغلال غير المشروع ، هو في حقيقته اعتداء مباشر على حقوق المواطنين أنفسهم ، لأنه يحرمهم من خدمات أساسية تمس حياتهم اليومية وكرامتهم الإنسانية .
ومن هذا المنطلق ، فإن المحافظة على الممتلكات العامة تُعد واجبًا شرعيًا قبل أن تكون التزامًا وطنيًا ، لأن المال العام أمانة في عنق الجميع، وقد نهى الإسلام عن الإفساد في الأرض بقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، وقال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو أصل عظيم في منع كل ما فيه إضرار بالناس ومصالحهم، كما شدد الإسلام على حرمة الاعتداء على أموال الناس وحقوقهم، والمال العام أولى بالحماية لأنه حق مشترك للمجتمع كله، والإضرار بالمرافق العامة يدخل في باب الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وهو مما حرمه الشرع تحريمًا قاطعًا.
إن تخريب المدارس يحرم الأطفال من حقهم في التعليم، والاعتداء على المستشفيات يهدد حق المرضى في العلاج ، وتدمير شبكات المياه والكهرباء يفاقم معاناة الأسر ويقوض أسس الحياة الكريمة ، كما أن إصلاح هذه الأضرار يستنزف موارد الدولة المحدودة، ويؤخر مشروعات التنمية، ويعمق الأزمات بدلًا من معالجتها.
ومن هنا فإن الحفاظ على الممتلكات العامة يبدأ من سلوك الفرد، ويتعزز داخل الأسرة، ثم المدرسة، ثم المجتمع كله، عبر ترسيخ ثقافة احترام المال العام والشعور بالانتماء والمسؤولية تجاهه، والإبلاغ عن أي اعتداء عليه بدل الصمت أو التواطؤ، كما يلعب الإعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني دورًا محوريًا في نشر هذا الوعي وتحويله إلى ممارسة يومية راسخة.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الدولة تتمثل في إدارة هذه الممتلكات بشفافية وكفاءة، وتطبيق القانون بعدالة على كل من يعتدي عليها دون تمييز، وتحسين جودة الخدمات حتى يشعر المواطن أن هذه المرافق تُدار لصالحه فعليًا، وأن المحافظة عليها تعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع المباشر.
إن الحفاظ على الممتلكات العامة ليس مسألة قانونية فقط، بل هو تعبير عن احترام المجتمع لذاته ولمستقبله، وعن مدى نضجه في التعامل مع موارده المشتركة، فالأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات، بل بقدرتها على صونها وتنميتها وحمايتها من العبث والتفريط، لتظل رصيدًا مستدامًا للأجيال القادمة.
فحماية المال العام هي حماية لحقوق المواطنين، وضمان لاستمرار الخدمات، واستثمار واعٍ في استقرار السودان وتنميته.






