للقصة بقية
معاوية الجاك
اجتمع هُواة المناصب في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتبارى بعضهم في الدعوة إلى إبعاد المؤتمر الوطني من أي مشاركة في المشهد السياسي القادم، وقاد هذا التيار الرافض مبارك أردول، القيادي بالكتلة الديمقراطية، ووجد دعماً من آخرين شاركوه ذات الموقف.
والغريب أن الكتلة الديمقراطية نفسها ظلت تتحدث عن رفض التصالح مع المتمردين ومشعلي الحروب وحاملي السلاح، لكن أردول نسي أنه كان يوماً ما متمرداً حمل السلاح ضد الدولة وقاتل الحكومة لسنوات طويلة، فما القضية التي كان يقاتل من أجلها؟ وما الفرق بين متمردي الأمس ومتمردي اليوم؟ وما الذي يميز مجرمي الحرب الحاليين عن مجرمي الأمس الذين كانوا جزءاً من الحركات المسلحة؟
ومن سخريات القدر أن يندفع بعض السياسيين لإقصاء المؤتمر الوطني من المشهد، بينما لا يملكون قواعد جماهيرية حقيقية، ولا يمثلون سوى أنفسهم، وهدفهم الأساسي من كل هذه (القومة والقعدة) الفوز بالمناصب وتقاسم المكاسب، ومع ذلك، فإن المؤتمر الوطني يستحق هذا المصير، وبِغاث الساسة تتقاذفه وتنتاشه.
والحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن حزب المؤتمر الوطني لا يحتاج إلى إقصاء، فقد أقصى نفسه بنفسه قبل أن يسعى الآخرون إلى إقصائه.
أقصى الحزب نفسه يوم أن انقسم إلى تيارين، أحدهما بقيادة أحمد هارون، والآخر بقيادة إبراهيم محمود، فتشتتت مواقفه وضعفت فاعليته السياسية.
وأقصى المؤتمر الوطني نفسه عندما التزم الصمت تجاه الهجوم المتكرر الذي ظل يشنه البرهان على الإسلاميين والمؤتمر الوطني، فكلما اعتلى منصةً للحديث، وجّه إليهم رسائل واضحة مفادها أنهم لن يعودوا إلى الحكم مرة أخرى، ومع ذلك، كان رد الفعل صمتاً كاملاً صوّرهم على أنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، رغم أن الإسلاميين كانوا من أكثر القوى السياسية انخراطاً في الحرب، ودفعوا بأعداد كبيرة من عضويتهم وأنصارهم للقتال إلى جانب الجيش منذ الطلقة الأولى وحتى اليوم.
والغريب أن الذين يطالبون بإبعاد المؤتمر الوطني اليوم لم يكن لهم الدور ذاته في هذه الحرب، لكنهم أصبحوا الأكثر نشاطاً في السعي نحو اقتسام المناصب وحجز مواقعهم في ترتيبات ما بعد الحرب.
وأقصى المؤتمر نفسه يوم قدم تجربة سيئة في الحكم، واستغل السلطة بصورة قبيحة، وانحدر سريعاً إلى الفساد حتى انهارت الإنقاذ.
وأقصى المؤتمر الوطني نفسه يوم انزوى عن المشهد عقب سقوط الإنقاذ، بدلاً من أن يكون حاضراً لمناقشة أسباب فشل تجربته بكل شجاعة ووضوح.
ولعل أكبر أخطاء المؤتمر الوطني أنه ربط وجوده السياسي بوجوده في السلطة. فعندما انهارت سلطة الإنقاذ، انهار الحزب معها وتفرق إلى جماعات وتيارات متناحرة، الأمر الذي يؤكد أنه لم يُبنَ على أسس تنظيمية راسخة ومستقلة، بل كان أكسجين حياته مرتبطاً بالسلطة، فلما فقدها فقد معها كثيراً من تماسكه وتأثيره.
الخلاصة أن عبارة (ما عدا المؤتمر الوطني) قالها أهله بأفعالهم قبل أعدائه.
#فوري نيوز# المؤتمر الوطني# معاوية الجاك






