حوار خاص: السفير أحمد عبدالعزيز يطرح رؤية عملية لإعادة إعمار السودان من بوابة الاقتصاد والدبلوماسية الشعبية.
القاهرة: فوري نيوز
في حوار اتسم بالوضوح والصراحة، تناول السفير أحمد عبدالعزيز، مدير بنك سابق وأحد الوجوه الدبلوماسية والاقتصادية المعروفة، جملة من القضايا المفصلية المرتبطة بمستقبل السودان في مرحلة ما بعد الحرب، مركزا على سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل ما يمتلكه السودان من مقومات نهوض حقيقية إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ؟
الحوار، الذي أجرته الأستاذة سارة الطيب، لم يكن استعراضا نظريا للأزمات، بل محاولة لتفكيك الإشكاليات الاقتصادية والدبلوماسية التي عطلت فرص السودان لعقود، مع تقديم تصور عملي لإعادة الإعمار يستند إلى الإرادة السياسية، والانفتاح الذكي على أدوات التمويل، وتفعيل دور الجاليات السودانية في الخارج.
*السودان بين وفرة الموارد وتعطّل القرار*
يرى السفير أحمد عبدالعزيز أن الأزمة السودانية ليست في شح الموارد أو غياب الفرص، بل في ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى مشاريع اقتصادية قابلة للحياة. فالسودان – بحسب وصفه – يمتلك مقومات نهوض حقيقية في مجالات الزراعة، التعدين، والموقع الجغرافي، إلا أن غياب القرار السيادي المستقر والإدارة الرشيدة حال دون إطلاق قطار التنمية.
ويؤكد أن أي حديث عن تمويل خارجي أو استثمارات أجنبية يظل بلا معنى ما لم تسبقه إرادة سياسية واضحة تعيد ترتيب الأولويات، وتبعث برسائل طمأنة حقيقية للأسواق والممولين.
*من المصارف إلى الدبلوماسية الشعبية*
توقف الحوار عند تجربة السفير المهنية الممتدة بين العمل المصرفي والدبلوماسي، حيث أشار إلى أن المصارف ليست مجرد مؤسسات تمويل، بل أدوات سيادية إذا ما أُحسن توظيفها. وانتقد النظرة التقليدية للقطاع المصرفي في السودان، معتبرا أن البنوك عانت من التسييس وضعف الاستقلالية، ما أفقدها دورها التنموي الحقيقي.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية ما أسماه “الدبلوماسية الشعبية”، باعتبارها رافعة موازية للدبلوماسية الرسمية، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السياسي.
ويرى أن الجاليات السودانية في الخارج تمثل رصيدا استراتيجيا مهما، إذا ما جرى تنظيمها وتوجيهها ضمن رؤية وطنية واضحة.
*الجالية السودانية في مصر: تجربة قابلة للبناء*
أفرد الحوار مساحة واسعة للحديث عن تجربة خدمة السودانيين في مصر، حيث أشار السفير عبدالعزيز إلى أن أكثر من خمسة عشر عاما من العمل المباشر مع الجالية كشفت حجم الاحتياجات، وفي الوقت ذاته حجم الفرص غير المستغلة.
وأوضح أن المبادرات التعليمية والعلاجية، وتقديم التسهيلات الإجرائية، ليست أعمالا خيرية مؤقتة، بل جزء من مسؤولية وطنية مستدامة، تسهم في حماية رأس المال البشري السوداني في الخارج، وتعزز صورة السودان في محيطه الإقليمي.
*التمويل وإعادة الإعمار: الجاهزية قبل الطلب*
فيما يتعلق بإعادة إعمار السودان، أكد السفير أن المشكلة لا تكمن في غياب التمويل الدولي، بل في ضعف الجاهزية الفنية والمؤسسية لتلقي هذا التمويل. فالممول – بحسب تعبيره – لا يبحث عن العاطفة، بل عن مشاريع واضحة، دراسات دقيقة، وإدارة قادرة على التنفيذ والمساءلة.
وأشار إلى أن السودان قادر، إذا ما أُعيد بناء مؤسساته الاقتصادية، على تأهيل وتمويل مشاريع تنموية كبرى في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والطاقة، دون الارتهان الكامل للمساعدات الطارئة.
*الأوسمة والتكريم: التكليف قبل التشريف*
وحول التكريم الذي ناله مؤخرا، عبّر السفير أحمد عبدالعزيز عن قناعته بأن الأوسمة لا تمثل غاية بحد ذاتها، بل مسؤولية إضافية، معتبرا أن خدمة الوطن – داخل السودان أو خارجه – التزام دائم لا يرتبط بالمناصب أو الألقاب.
وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الخطاب العاطفي إلى التخطيط العملي، ومن ردود الأفعال إلى بناء استراتيجيات طويلة الأمد تعيد للسودان مكانته الاقتصادية والإقليمية.
د. عثمان حامد





