مقالات وتقارير

الفريق كباشي،، إعادة تموضع أم كتابة فصل جديد؟..

فوري نيوز

حدود المنطق..

إسماعيل جبريل تيسو..

كثُرت خلال الساعات الماضية الأحاديث، وسال الكثير من الحبر عن مصير الفريق أول ركن شمس الدين كباشي عضو مجلس السيادة، نائب القائد العام للقوات المسلحة بعد إعلان التشكيلة الجديدة لهيئة قيادة القوات المسلحة، والحقيقة التي ينبغي أن نفهمها أن الكثير من الخطوات في بلاط السياسة لا تُقرأ بظاهرها، كالذي يحدث تماماً في ميادين القتال، وإنما تُقرأ مثل هذه الخطوات بما تخفيه من توازنات، وما توحي به من إشارات، ومن هنا، فإن مصير الفريق شمس الدين كباشي، لا يمكن النظر إليه بوصفه انتقالاً وظيفياً أو إعادة توزيع أدوار، بل هو فصلٌ جديد في رواية الدولة وهي تعيد ترتيب بيتها من الداخل، على إيقاع حرب لم تضع أوزارها بعد.

لقد تعددت التسريبات، وتباينت التأويلات، حتى ظهر الرجل وكأنه في مرآة متكسرة؛ فهو تارةً قائداً عاماً للقوات المسلحة، وتارةً أخرى نائباً أولاً لرئيس مجلس السيادة، أو لرئيس الجمهورية إذا تبدلت الأوصاف وتغيرت المسميات، أو حتى رئيساً للوزراء أو رئيساً البرلمان المرتقب، وكلها اجتهادات، وإن اختلفت في الوجهة، فإنها تتفق في شيء واحد: قلق الشارع، وحرص المناصرين، ومحاولة استباق القدر السياسي للرجل.

وبعيداً عن ضجيج التسريبات، وقلق الشارع، يمكن القول إن الفريق أول ركن شمس الدين كباشي كان وسيظل أحد الأعمد الصلبة لمعادلة حرب الكرامة الوطنية، وسيفاً من سيوفها البتّارة التي لم ولن تُغمد، فقد شهدت له ميادين القتال، من الخرطوم مروراً بالجزيرة وسنار، والقضارف والنيل الأبيض، وصولاً إلى أم روابة والأبيض، حضوراً ميدانياً أشبه بالنبض في جسد المعركة، يبعث الحياة في أوصالها، ويعيد ترتيب خطوطها، من خلال تحركات مكوكية كانت بمثابة معارك تُدار بالعقل كما تُخاض بالشجاعة، حتى أفضت إلى تضييق الخناق على المتمردين وحصرهم في جيوب محدودة في كردفان ودارفور.

وإذا كان الميدان قد شهد لكباشي، فإن دهاليز الحكم لم تكن أقل اختباراً، فقد حمل الرجل، منذ اندلاع الحرب، عبء الجهاز التنفيذي على عاتقه كمن يحمل جمراً في كفه، لا يملك أن يلقيه ولا أن يتخلَّى عنه، كان كباشي يطفئ حرائق الوزارات، ويعيد وصل ما انقطع من شرايين الدولة، في وقت كانت فيه المؤسسات تتأرجح بين البقاء والانهيار، وبينما كانت الترتيبات توزع الأدوار على أعضاء مجلس السيادة، ظل كباشي يمسك بخيوط كثيرة في آنٍ واحد، تأكيداً على أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأن الزبد يذهب جفاءً إذ بقي أثر الرجل حيث ينفع الناس، لا حيث يعلو الضجيج.

أما في ميزان المؤسسة العسكرية، فإن مسألة الأقدمية التي ترجِّح كفة كباشي على الفريق ياسر العطا، ليست مجرد رقم في سجل الدفعات، بل دلالة على خبرة تراكمت، ومسار طويل من الخدمة، غير أن الجيوش، في لحظات التحول الكبرى، لا تُدار بالأقدمية وحدها، بل بحسابات أوسع، تتعلق بتوزيع الأدوار وتكاملها، لا بتصادمها.

وهنا تبرز نقطة الارتكاز الأهم: الثقة بين الثلاثي البرهان، وكباشي، والعطا، هذه الثقة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية في زمن الحرب، فهي التي تجعل من تغيير المواقع إعادة تموضع، لا إقصاء، ومن تبادل الأدوار تكاملاً، لا تنازعاً، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وكأن التداول هنا لا يعني التبديل بقدر ما يعني توزيع الأعباء وفق مقتضيات المرحلة.

إن تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً للأركان، بوصفه الرجل المعني بإدارة العمليات والتخطيط الاستراتيجي، يفتح المجال أمام إعادة تعريف دور الفريق شمس الدين كباشي، لا تقليصه، فالدول في لحظات الخطر، لا تفرِّط في رجالها، بل تعيد توظيفهم حيث يكون أثرهم أعظم، وكباشي، بما يملكه من خبرة عسكرية وسياسية وتنفيذية، يبدو أقرب إلى موقع يجمع بين هذه الخيوط، لا إلى زاوية الإبعاد أو التقاعد.

وفي خضم هذه المعطيات، يبدو أن الحديث عن إحالة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي إلى المعاش أو خروجه من المشهد، أقرب إلى قراءة متعجلة، لا تسندها طبيعة المرحلة ولا منطق الدولة، فالرجل الذي كان في قلب المعركة، وفي صدارة إدارة الدولة، لا يُدفع به إلى الهامش، بل يُعاد تموضعه في مركز آخر، ربما أكثر تأثيراً في صياغة المرحلة المقبلة.

إن مصير الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، في ضوء هذه التشكيلة، لا يتجه نحو الغياب، بل نحو التحول، فكل المؤشرات ترجِّح أنه سيبقى داخل دائرة الفعل، في موقع سياسي أو تنفيذي رفيع، يوازي خبرته ويستثمر حضوره، ليواصل تقديم السند للرئيس، والدعم لرئاسة الأركان، في معركة لم تعد عسكرية فحسب، بل معركة دولة تبحث عن توازنها، وبذلك فإن السؤال لم يعُدْ: أين سيذهب كباشي؟ بل: في أي موقع سيُطلب من كباشي أن يؤدي الدور الأكبر؟

 

 

#كباشي *تيسو #فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى