مقالات وتقارير

ياسين عمر يكتب قراءة في عودة د. أمجد فريد إلى دائرة القرار 8 ملاحظات

فوري نيوز

قراءة في عودة د. أمجد فريد إلى دائرة القرار ثماني ملاحظات

 

1. عرف د. أمجد فريد (مستشار الرئيس البرهان) بعدائه الموضوعي لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية السودانية دون الارتهان لمشروعات الخارج، وهي سمة أسهمت في تقريبه مباشرةً إلى دوائر صناعة القرار في مطبخ رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، لا سيما و أن الرئيس البرهان نفسه قد تقلد هذا المنصب وحقق نبوءة والده على أشلاء شهداء ديسمبر المجيد، وعلى وقع عبق اللساتك ومجدها التليد.

2. تمثل إعادة د. أمجد فريد إلى واجهة المشهد السياسي تمهيدا محسوبا لمرحلة جديدة، يراد لها أن تفتح الباب أمام عودة شخصيات أخرى عارضت النظام وقيادته من الداخل، بعيدا عن ارتهانات المحاور الإقليمية ودور السفارات، بل وحتى من هم دون ذلك، فالمعطيات المتسربة بشأن لقاءات جمعت قيادات سياسية رفيعة معارضة للخرطوم في مصر وقد حالف بعضها التمرد مع رموز سيادية ليست بمعزل عن هذا السياق، ولا يمكن فصلها عن مساع حثيثة لإعادة ترتيب الأوراق أو (دكها) بالكامل، وفي ظل تعقيدات هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة لإضعاف مليشيا الدعم السريع وشق صفوفه من الداخل.

3. لا يمكن قراءة قرار تعيين د. أمجد فريد مستشارا لرئيس مجلس السيادة بمعزل عن ربطه بلقاء الرئيس البرهان بما أُطلق عليه “تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية” في الثالث عشر من مارس 2026، تزامنا مع إرهاصات تشكيل المجالس التشريعية، وما يرافق ذلك من حديث متجدد عن ضرورة إشراك شباب ثورة ديسمبر في صناعة القرار، وبين هذا وذاك، تبدو دوائر القرار وكأنها تجري حساباتها الدقيقة، لا حبا في توسيع دائرة المشاركة، بل تحسبا لأي صوت نشاز قد يعكّر صفو المشهد أو يبطئ إيقاع العمليات العسكرية الرآمية إلى كبح التمرد؛ وكأن المطلوب، في نهاية المطاف تناغم محسوب.

4. إن تعيين د. أمجد فريد في موقع المستشارية الرئاسية يوجه ضربة لرواية المليشيا التي ظلت تروج لهيمنة الحركة الإسلامية، وتحديدا علي كرتي، على القوات المسلحة وقرار الرئيس نفسه، ومع ذلك، لا تخلو الساحة من قراءات أخرى ترى أن حزب المؤتمر الوطني قد لا يمانع (بل ربما يتماهى ) مع عودة بعض القوى اليسارية المناوئة له إلى واجهة السلطة، في مقاربة تقوم على ترجيح (السيئ المعلوم) على (الأسوأ المجهول)، أو على الأقل احتوائه، ففي هذا السياق، لا يبدو الأمر صراعا صفريا بقدر ما هو إعادة تموضع براغماتي، تدار فيه التناقضات لا تحسم، ويستدعى فيه خصم الأمس ليكون أهون وطأة من خصم جديد غير مجرب تماما كما يقول المثل السوداني: (جناً تعرفو، أحسن من جناً ما تعرفو)

5. هذه الحرب، وعلى قسوتها، كشفت بلا مواربة الحجم الحقيقي للأحزاب السياسية، ونسفت معادلات تحكم بيوتات محدودة تُعد على أصابع اليد، في قضايا مصيرية تمس وطنا بأكمله، وفي خضم هذا الانكشاف، لم يبق ثابت يعول عليه سوى الوطن نفسه والقوات المسلحة السودانية، ومن المفارقات اللافتة أن من بين ما يحسب لأمجد فريد، أنه ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل عاد إلى مدينة حلفا القديمة وفقا لمصادر، لا ليختبئ، بل ليخاطب وجدان الناس، متحدثا عن محمد أحمد في الأسواق، وعن فاطمة، وعن سائر أبناء الشعب السوداني المكلوم، عبر القنوات والفضائيات العالمية، كان يصعد المرتفعات بحثا عن إشارة شبكة، ليدافع عن الجيش الواحد وعن أهمية دعم وتعزيز المؤسسة العسكرية القومية وحقق حضورا وتأثيرا عجزت عنه رموز تقليدية بحجم الإمام الصادق المهدي ومولانا محمد عثمان الميرغني.

6. جاء تعيين د. أمجد فريد مستشارا لرئيس مجلس السيادة في توقيت سياسي معقد، يتزامن مع أحاديث متصاعدة عن احتمالية حل المجلس في المدى القريب، وبالنظر إلى أن حل مجلس السيادة يعني بالضرورة إنهاء تكليف مستشاريه، فإن هذا التعيين يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعته وحدوده الزمنية، وما إذا كان جزءا من ترتيبات انتقالية قصيرة الأجل أكثر من كونه إدماجا حقيقيا في دائرة صناعة القرار،
وفي هذا السياق، لا يستبعد أن يقرأ القرار ضمن مقاربة (ترضيات سياسية) تستهدف استيعاب وترميز بعض الأصوات الوطنية أو إعادة تموضعها داخل المشهد، خاصة في ظل سعي الرئاسة إلى توسيع مظلة القبول دون إحداث تغيير جوهري في مراكز النفوذ الفعلية، ومع ذلك، فإن الحكم النهائي على هذه الخطوة يظل مرهونا بما ستسفر عنه تطورات المرحلة المقبلة، فإما أن تكون مدخلا لإعادة ترتيب حقيقية تفضي إلى شراكة أوسع في القرار، أو مجرد إجراء تكتيكي قصير العمر، ينتهي بانتهاء الظرف الذي أفرزه.

7. لا يبدو أن خطوة تعيين د. أمجد فريد مجرد إجراء إداري عابر، بل هي جزء من هندسة دقيقة لمشهد سياسي جديد، تتقاطع فيه ضرورات الحرب مع حسابات ما بعد الحرب. فبينما تمضي الدولة في معركتها العسكرية لحسم التمرد، تُبنى في الخلفية ملامح تسوية سياسية مرنة، تستوعب أطرافا كانت حتى وقت قريب على هامش السلطة أو في مواجهتها. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بقدرة دوائر القرار على تحقيق توازن حقيقي بين متطلبات المعركة ومقتضيات التحول السياسي، دون الانزلاق إلى إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة.

8. إن تعيين قيادات حكومية في مناصب استشارية رئاسية دون وجود معايير واضحة أو منافسة شريفة من شأنه أن يؤثر على مصير نحو 40 مليون نسمة من الشعب السوداني، كما يعكس الوجه القبيح للفراغ المؤسسي في البلاد. وقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرجى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين)

ومن نافلة القول: فإن تعيين أمجد فريد تعبير مكثف عن طبيعة مرحلة تدار فيها التوازنات بعقل براغماتي، وتعاد فيها صياغة مراكز التأثير دون إعلان قطيعة صريحة مع إرث الماضي، ويظل السؤال: هل نحن أمام إعادة تأسيس حقيقية لمعادلة الحكم، أم مجرد إعادة توزيع محسوبة للأدوار تحت ضغط اللحظة؟ ذلك سؤال ستكشفه تطورات ما بعد الحرب، حيث لا يُقاس النجاح بكسب المعارك فحسب، بل بقدرة الدولة على إدارة ما يليها.

 

#مقالات#السودان #امجد فريد #ياسين عمر# فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى