إقتصادمقالات وتقارير

الدولار يقفز إلى 4500.. والجنية السوداني ورقة في مهب الريح

فوري نيوز

الدولار يحطم أرقاماً قياسية

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو:

واصل الجنيه السوداني تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية في السوق الموازي، مسجلاً مستويات غير مسبوقة أثارت مخاوف واسعة وسط المواطنين والمراقبين والخبراء الاقتصاديين، وبحسب بيانات السوق في وقت النشر، تراوح سعر الدولار الأمريكي ما بين 4400 إلى 4500 جنيه سوداني، فيما وصل سعر الجنيه المصري إلى 90 جنيهاً سودانياً، وسط استمرار التفاوتات السعرية بين المدن والتجار، وأفاد متعاملون في سوق النقد الأجنبي بأن حركة البيع والشراء اتسمت بالحذر الشديد بسبب ضعف السيولة، لا سيما في تداول الدولار، الذي واصل التحرك داخل نطاقات سعرية متذبذبة رغم الارتفاعات القياسية التي يشهدها.

حرب اقتصادية:
ويرى مراقبون وخبراء اقتصاديون أن الانهيار المتسارع للعملة الوطنية يتجاوز في بعض جوانبه التفسيرات الاقتصادية التقليدية، إذ يعتقد كثيرون أن ما يحدث قد يكون جزءاً من حرب اقتصادية تستهدف زيادة الضغوط على السودان في هذه المرحلة الحرجة، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الارتفاعات المتلاحقة في سعر الدولار لا تتناسب أحياناً مع المؤشرات الاقتصادية الفعلية، ما يفتح الباب واسعاً أمام فرضية المضاربات التي يقودها بعض السماسرة والمتعاملين في السوق الموازي مستفيدين من حالة الانكشاف التي تعيشها الأسواق ومن الطلب المستمر على العملات الأجنبية لتمويل استيراد الوقود والأدوية والسلع الأساسية.

آثار الانهيار:
وبحسب مراقبين فإن آثار انهيار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، لا تتوقف عند حدود الأسواق المالية، بل تمتد مباشرة إلى حياة المواطنين اليومية، حيث تتزايد أسعار السلع والخدمات بصورة شبه يومية، بينما تتآكل القوة الشرائية للأسر التي أنهكتها وطأة الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، كما تتفاقم معاناة آلاف السودانيين اللاجئين في دول الجوار الذين يعتمدون بصورة رئيسة على التحويلات المالية القادمة من ذويهم المغتربين، إذ يؤدي ارتفاع أسعار العملات الأجنبية إلى زيادة تكلفة المعيشة بصورة مستمرة، الأمر الذي يجعل تلك التحويلات عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ويزيد من الأعباء الإنسانية التي تواجهها الأسر السودانية داخل البلاد وخارجها.

مفارقة لافتة:
ولعل من المفارقات التي تستوقف كثيراً من المتابعين أن الجنيه السوداني أظهر قدراً من التماسك خلال الفترة الأولى للحرب، بل واستمر محافظاً على مستويات مستقرة نسبياً لفترة قاربت العامين، رغم غياب حكومة تنفيذية مكتملة الأركان وعدم وجود رئيس وزراء يدير الملفات الاقتصادية كما هو الحال حالياً، ويرى بعض المحللين أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه المفارقة يتمثل في محدودية الطلب على الدولار خلال تلك الفترة نتيجة توقف جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية والتجارية، فضلاً عن الكميات الكبيرة من العملات الأجنبية التي تدفقت إلى الأسواق عبر عمليات النهب والسرقات و{الشفشفة} التي نفذتها ميليشيا الدعم السريع، حيث جرى تداول وبيع مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية بأسعار منخفضة نسبياً، ما ساهم بصورة أو بأخرى في زيادة المعروض من الدولار داخل السوق الموازية، وأدى إلى كبح جماح الأسعار مؤقتاً، غير أن هذا الوضع لم يكن يعكس قوة حقيقية للاقتصاد أو متانة في العملة الوطنية، بقدر ما كان نتاجاً لظروف استثنائية فرضتها الحرب وأفرزت تشوهات غير مسبوقة في سوق النقد.

ركود وتراجع إنتاج:
يقول المحلل الاقتصادي دكتور هيثم فتحي إن التراجع الحالي في قيمة الجنيه السوداني يرتبط بجملة من العوامل الهيكلية التي تفاقمت بصورة كبيرة خلال الحرب، ويؤكد دكتور فتحي في أفادته للكرامة أن السودان يشهد تراجعاً واضحاً في القطاعات الإنتاجية الرئيسة المتمثلة في الزراعة والصناعة والتعدين والنفط، وهي القطاعات التي تشكل تقليدياً مصادر رئيسة للنقد الأجنبي ودعم العملة الوطنية، مبيناً أن الحرب عمقت هذه الأزمة بصورة أكبر، بينما استفاد التجار والمهربون والمضاربون من التحولات التي طرأت على بنية الاقتصاد السوداني، حيث صعد اقتصاد التجارة والخدمات على حساب اقتصاد الإنتاج الحقيقي القائم على الصناعة والزراعة، ونوه دكتور هيثم فتحي إلى أن الجدل المستمر حول استيراد السلع والخدمات الأساسية، وعلى رأسها الوقود، ألقى بظلاله على مختلف حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأسعار والتضخم، لافتاً إلى أن السودان فقد جزءاً مهماً من موارده النفطية ومن العوائد المرتبطة بمرور وتصدير نفط دولة جنوب السودان، فضلاً عن وجود سياسات اقتصادية متناقضة ومتضاربة في بعض الأحيان، إلى جانب أنظمة وإجراءات لم تتمكن من معالجة الأزمة الاقتصادية بل ربما أسهمت في تفاقمها، وقال إن الاقتصاد السوداني يعيش حالياً حالة من الركود التضخمي، وهي الحالة التي يتزامن فيها التضخم المرتفع مع الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، مؤكداً أن المشهد الاقتصادي الراهن أصبح شديد التعقيد نتيجة تداخل العوامل الاقتصادية والنقدية والسياسية، فضلاً عن محدودية التعاون الدولي، وشبه توقف المساعدات المالية الخارجية، والعقوبات غير المعلنة، والأضرار الواسعة التي خلفتها الحرب في بلد يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية مزمنة، إضافة إلى الارتفاعات المتواصلة في أسعار الوقود.

كيف يتوقف النزيف؟:
وحول السبل الكفيلة بتحقيق الاستقرار في سعر الصرف، يرى المحلل الاقتصادي دكتور هيثم فتحي أن الأمر يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، ويؤكد أن استقرار الجنيه السوداني يظل مرهوناً بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات جوهرية تشمل إعادة هيكلة المؤسسات المالية والمصرفية، وتبنِّي سياسات نقدية متوازنة تستهدف كبح جماح التضخم، مع التركيز على دعم القطاعات الإنتاجية وإعادة تشغيل المشاريع الزراعية والصناعية، كما دعا فتحي إلى تسريع إطلاق برامج ومشروعات إعادة الإعمار باعتبارها محركاً أساسياً لدوران عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر توفير بيئة أعمال مستقرة ومحفزة وخالية من الفساد، مشدداً على أهمية تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي بما يضمن تدفق المساعدات المالية وزيادة التحويلات من الخارج، مبيناً أن هذه الخطوات من شأنها دعم الاحتياطي النقدي وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى الانهيار المتسارع للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، واحداً من أخطر التحديات التي تواجه البلاد في المرحلة الراهنة، ليس فقط باعتباره مؤشراً اقتصادياً، بل لأنه ينعكس بصورة مباشرة على حياة ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، ويتفق الخبراء الاقتصاديون على أن استعادة استقرار العملة الوطنية لن تتحقق إلا عبر معالجة جذور الأزمة المتمثلة في ضعف الإنتاج وتراجع الصادرات واختلال السياسات الاقتصادية، إلى جانب استعادة الاستقرار السياسي والأمني الذي يمثل المدخل الرئيس والهام، لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.

 

الجنيه السوداني ـــ الدولار
الجنيه السوداني ـــ الدولار

#فوري نيوز #الدولار #الجنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى