بقلم :نهلة ابونورة
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم يعد ملايين السودانيين يبحثون عن الرفاهية أو تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل أصبحوا يبحثون عن أبسط حقوق الإنسان: الأمان.
فالحرب التي اجتاحت المدن والقرى لم تترك خلفها سوى الدمار والنزوح والفقد، ودفعت أعداداً هائلة من المواطنين إلى الهروب من وطنهم بحثاً عن حياة تحفظ لهم كرامتهم ومستقبل أبنائهم.
تفرّق السودانيون في أرجاء الأرض؛ فمنهم من اتجه إلى دول الجوار، ومنهم من حمل حقائبه إلى أوروبا وأمريكا والخليج وأماكن أخرى، أملاً في بداية جديدة بعيداً عن أصوات الرصاص ورائحة الموت. حملوا معهم ذكريات الوطن وآلامه، وأحلام العودة إليه يوماً وهو أكثر استقراراً وأمناً.
لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الحرب والنزوح، فالكثير من السودانيين وجدوا أنفسهم يواجهون تحديات جديدة في بلدان اللجوء والاغتراب؛ تحديات تتعلق بالاندماج، والعمل، والإقامة، وإثبات الذات في مجتمعات جديدة تختلف ثقافاتها وقوانينها وظروفها. ورغم أن الغالبية العظمى منهم التزمت بالقانون وسعت إلى بناء حياة كريمة، فإن أخطاءً فردية يرتكبها بعض الأشخاص قد تتحول إلى عبء ثقيل على الجميع.
إن من أكثر ما يؤلم الجاليات السودانية في الخارج أن جهود آلاف الأسر والأفراد الشرفاء قد تتأثر بسبب تصرفات محدودة لا تمثل إلا أصحابها. ففي عالم سريع الأحكام، كثيراً ما تُعمّم أخطاء القلة على جماعات بأكملها، فتتضرر صورة أناس لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم ينتمون إلى البلد نفسه.
وفي هذا السياق، أعادت الأحداث التي شهدتها مدينة بلفاست إلى الواجهة النقاشَ حول أوضاع المهاجرين واللاجئين، وكيف يمكن لحوادث أو اتهامات مرتبطة بأفراد أن تؤجج مشاعر الغضب أو التوتر داخل المجتمعات المضيفة. ومهما كانت ملابسات تلك الأحداث، فإن الحقيقة الثابتة هي أن تحميل الجاليات بأكملها مسؤولية أفعال أفراد يمثل ظلماً مضاعفاً، ويهدد قيم العدالة والتعايش التي قامت عليها المجتمعات الديمقراطية.
السوداني الذي خرج من بلاده هرباً من الحرب لا يريد أن يكون طرفاً في أزمة جديدة، ولا يسعى إلى صدام مع مجتمع استقبله أو منحه فرصة للحياة؛ إنه يريد أن يعمل، وأن يتعلم، وأن يؤمّن مستقبلاً لأبنائه، وأن يحتفظ بحلمه القديم في العودة إلى وطن ينعم بالسلام. ولذلك فإن مسؤولية المحافظة على صورة الجالية تقع على الجميع؛ أفراداً ومؤسسات وروابط اجتماعية، عبر الالتزام بالقانون واحترام قيم المجتمعات التي فتحت أبوابها أمامهم.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية المجتمعات المضيفة كبيرة أيضاً في عدم الانجرار وراء التعميم أو الأحكام المسبقة؛ فالأمم لا تُقاس بأخطاء أفراد، والشعوب لا تُختزل في تصرفات معزولة. والسودانيون الذين شردتهم الحرب هم في المقام الأول ضحايا لمأساة إنسانية كبرى، وليسوا مسؤولين عنها.
لقد أصبح الشعب السوداني يحمل معاناته معه أينما ارتحل؛ من الحرب إلى النزوح، ومن فقدان الوطن إلى صعوبة الاغتراب، ومن البحث عن الأمان إلى مواجهة تحديات جديدة في المنافي. ومع ذلك، لا يزال متمسكاً بالأمل؛ لأن الشعوب التي عرفت الصبر طويلاً لا بد أن تجد طريقها إلى النور في نهاية المطاف.
ويبقى السؤال المؤلم: هل أصبحت المعاناة رفيقاً دائماً للشعب السوداني أينما حلّ؟ أم أن هذه المرحلة القاسية ليست سوى فصل مؤقت في رحلة شعب يستحق السلام والاستقرار والعيش الكريم؟
#فوري نيوز# الشعب السوداني






