
سارة الطيب تكتب:
لم تترك الحرب في السودان باباً من أبواب الوجع إلا وطرقته، ولم تترك لنساء السودان مساحة آمنة يلوذن بها من فواجعها. فمنذ اندلاعها، دفعت النساء أثماناً باهظة من أرواحهن وأمنهن وكرامتهن، بين النزوح والتشريد وفقد الأحبة والانتهاكات التي طالت البيوت والأجساد والأحلام.
وبفعل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام رحلة نجاة لا تشبه النجاة؛ فرارًا من الرصاص، لينتهي بهم المطاف، في مآسٍ لا تقل قسوة، إلى مواجهة الجوع والعطش في المنافي لكن أيُّ جحيمٍ هذا الذي بلغته المأساة السودانية، حين تضطر أمٌّ إلى دفن طفلها حيًّا في رمال الصحراء؟
بحسب تحقيق نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية، أعده غوردون كول شميت، ونقل عن رئيس مخيم تولوم في تشاد، الشيخ عبد الأحمد، فإن ثلاث أمهات دفنَّ أطفالهن أحياءً في الرمال خلال الشهر الذي تناوله التحقيق، بعدما فقدن الأمل في إنقاذهم من الجوع والعطش.
**تأملوا المشهد: أمٌّ هاربة من جحيم الحرب، تحمل طفلها بحثاً عن الأمان، فإذا بها تجد نفسها أمام مأساة لا يحتملها قلب، ولا تستوعبها الكلمات. لا ماء يروي عطشه، ولا دواء ينقذه، ولا يد تمتد في اللحظة التي يتوقف فيها كل شيء إلا عذاب الأم وعجزها.
أيُّ جرمٍ أفدح من أن تُدفع أمٌّ إلى هذا الخيار المروّع؟ وأيُّ ظلامٍ يمكن أن يحيط بحياة البشر أكثر من أن تصبح الرمال، التي كانت طريقاً للنجاة، مكاناً لمشهد كهذا؟
إنها ليست حكايةً عابرة عن قسوة اللجوء، ولا مجرد مأساة تُضاف إلى سجل الحرب السودانية؛ إنها شهادة موجعة على الكلفة الإنسانية التي يدفعها المدنيون، وعلى امتداد الكارثة إلى ما وراء حدود الوطن، حيث يطارد الجوع والعطش أطفالًا فرّوا من أزيز الرصاص، ظنًّا منهم أن النجاة تبدأ عند عبور الحدود.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا لا ينظر العالم إلى المأساة التي يعيشها السودانيون في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع؟
ألا تكفي هذه المآسي لإيقاظ الضمير الإنساني؟ ألا تكفي دموع الأمهات، وأجساد الأطفال التي أنهكها الجوع، وعذابات الأسر التي اقتُلعت من ديارها، ليدرك العالم أن ما يجري في السودان ليس مجرد نزاع مسلح، بل كارثة إنسانية تتطلب موقفًا يتجاوز الصمت والإدانات الموسمية؟
أين صوت المنظمات الدولية التي ترفع شعارات حماية الطفولة وحقوق الإنسان؟ وأين التحرك العاجل لإنقاذ الفارين من الحرب، وتوفير الماء والغذاء والدواء والمأوى الآمن لهم؟ ولماذا لا تحظى مآسي هؤلاء المدنيين بالاهتمام والاستجابة اللذين تفرضهما فداحة ما يتعرضون له؟
إن المسؤولية لا تقف عند حدود من يحمل السلاح ويمارس الانتهاكات، بل تمتد، كلٌّ بحسب دوره ومسؤوليته، إلى كل من يساهم في استمرار هذه المأساة أو يوفر غطاءً لمرتكبيها، وإلى المجتمع الدولي الذي يملك أدوات الضغط والتحرك، لكنه مطالب بتحويلها إلى خطوات عملية تحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات الإنسانية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون
الصمت أمام هذه المآسي لا ينقذ طفلًا، والتنديد وحده لا يروي عطشًا، والبيانات لا تنتشل أمًّا من عجزها وهي ترى طفلها يذوي أمام عينيها. المطلوب تحرك عاجل، وممرات آمنة للمساعدات، وحماية حقيقية للمدنيين، وجهد جاد لإنهاء الحرب ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات.
ألا يكفي المليشيا ومن عاونها ما خلّفوه من وجعٍ وخرابٍ ودموع؟ أما آن لهذا النزيف أن يتوقف، ولهذه الأرض أن تستريح من الموت، ولهذه الأمهات أن يحتضنَّ أطفالهن دون خوف من رصاصة أو جوع أو عطش
فماذا اكتب وماذا اقول حين تصل المأساة إلى أن تدفن أمٌّ طفلها حيًّا، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا حلّ بالسودان؟ بل: ماذا بقي من ضمير العالم إذا سمع هذه الصرخة ولم يتحرك؟







