سارة الطيب تكتب:
التعمير واجب … حين كانت الطرق تصرخ معنا
فوري نيوز/12/ اكتوبر/2025
وأنا أعبر من الخرطوم إلى الجزيرة، سنار، القضارف، كسلا، وأخيرًا بورتسودان، لم أحمل في حقيبتي سوى الخوف، والأمل، وذكريات موجعة محفورة في طرق ترابية، ومسارات غير ممهدة، ومدن احترقت وما زالت تنبض بالحياة.
رأيت المليشيا تسرق الحياة والأمان من عيون الناس وتزرع مكانهما الخراب والخوف.
رأيت كيف يُصبح الطريق جحيمًا حين لا يكون معبّدًا، وكيف أن غياب البنية التحتية يُضاعف من وجع النزوح ومعاناة الأسر.
خرجتُ الرابعة صباحًا من قريتي بجنوب الجزيرة التي لجأت إليها ووخرجت وانا على ظهر (كارو) ، لا سيارة، لا طريق، فقط الطين والدموع و الحسرة. وعندما وصلنا مدينة الحوش، كان الدفار هو وسيلتنا الوحيدة وبسعر باهظ إلى سنار. أعدادنا تجاوزت الخمسين، واقفين، نتمايل على المطبات، نحتمي بأجساد بعضنا من الشمس والجوع والعطش. أطباء، أطفال، شيوخ، أمهات من خيرة المجتمع … كلنا نحمل أحلامًا مُرهقة ونزيفًا لا يُرى.
المسافة بين الحوش وسنار لا تتجاوز ساعة، لكنها استغرقت منا أكثر من عشر ساعات، عبر القرى والمسارات الملتوية، لأن الطريق الوحيد المعبد كان تحت سيطرة الرعب طريق مدني سنار
هذه ليست قصتي وحدي. إنها حكاية الآلاف ممن صار الطريق هو الجرح، والوسيلة الوحيدة للهروب من الموت… أو للوقوع فيه.
لهذا، حين اتحدث عن إعادة إعمار السودان، يجب أن ابدأ من الطرق. فالطريق ليس مجرد إسفلت، بل حياة. هو الأمان، الاقتصاد، التعليم، والدواء، هو من يوصلنا إلى الوطن الجديد الذي نحلم به.
نريد سودانًا جديدًا، لا يُجبر فيه المواطن أن يركب دفارًا كالقطيع. نريد بلدًا تمشي فيه النساء والأطفال على طرق ممهدة، لا تبتلعهم الحفر ولا تعترضهم الحواجز المسلحة
فلتكن بداية التعمير… من حيث نزفنا ومن الطرق التي بكت معنا، وانتظرت معنا، وآن لها أن تُرصف بالكرامة والأمان.في ظل هذا الوطن الجريح الذي ينهض كل صباح على صوت الأمل رغم دخان الحرب، تُصبح الطرق والجسور أكثر من مجرد مشاريع بنية تحتية، بل تتحول إلى رموز للحياة، ووسائلاً للبقاء، وجسور للسلام.
منذ اندلاع الحرب، تضررت آلاف الكيلومترات من الطرق القومية، انهارت الجسور، وانقطعت خطوط الإمداد بين الولايات، فارتفعت أسعار السلع، وتأخرت الإغاثة، وتقطعت السبل بين الناس.لكن رغم الألم، لا يزال هناك من يعمل بصمت من أجل أن تظل هذه الشرايين نابضة.
كنت حضوراو تغطية لطريق الكرامة ودموعي تتساقط لانه كان بداية النصر وانه سيكون جاهزاً خلال (45) يوم واننا نحارب كل حسب مجاله وتخصصه وأن الهيئة القومية للطرق والجسور لم تقف موقف المتفرج، بل دفعت بأذرعها الهندسية في قلب المعركة، لتشق طريق الكرامة – من القضارف الحواته أم رخم الدندر – بطول 150 كلم، خلال 45 يومًا فقط وكان بديلاً لطريق القضارف ود مدني.. هذا الطريق لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل معبرًا للتحرير، ونقطة تحوّل في مسار الحرب، حيث ساهم في نقل العتاد وفك الحصار عن مدن بأكملها مثل الدندر والسوكي والحاج عبد الله وود مدني وأم روابة والرهد وفك حصار الأبيض حيث تم نقل عتاد واحتياجات متحرك الصياد والمتحركات في النيل الأبيض وكردفان وغيرها بإذن الله الفاشر جوة.
الهيئة القومية للطرق والجسور، طرحت مقترحًا لزيادة رسوم العبور، ليس لجني الربح، بل للصيانة والبقاء فالحفاظ على هذه الشبكات اليوم ليس ترفًا، بل فرض عين في اقتصاد يعيش تحت ضغط الحرب وندرة الموارد فالزيادة المقترحة في رسوم العبور ليست عبئًا، بل مساهمة في بقاء وطن وجنيه اليوم يُحافظ على جسر، ويمنع حادثًا، ويوصل شحنة دواء، وربما ينقذ روحًا
فلنكن جزءًا من مشروع تعمير السودان… نُسدّد الطريق بالنية الطيبة، وبالوعي، وبالثقة أن البناء يبدأ من تحت أقدامنا، من الطريق الذي نسير فيه نحو وطن يستحق الحياة وعندما ننظر إلى دول مثل مصر والسعودية، التي جعلت من شبكات الطرق أساس نهضتها ولنا الحق أن نحلم بوطن تُعبد طرقه كما تُبنى روحه، ونُعيد بناءه حجرًا حجرًا، بلا كلل ولا ملل.
الطرقات في السودان هي الرابط الوحيد بين قلب الوطن وأطرافه، بين النازحين والملاذ، بين الغذاء والمحتاج، بين الطبيب والمريض.
ولولاها، لما كان هناك أمان، ولا تجارة، ولا إغاثة، ولا حتى وطن موحّد.
فلنكن جزءًا من مشروع تعمير السودان… نُسدّد الطريق بالنية الطيبة، وبالوعي، وبالثقة وأن البناء يبدأ من تحت أقدامنا، من الطريق الذي نسير فيه نحو وطن يستحق الحياة لأهله
الهيئة الآن تقترح زيادة رسوم العبور، ليس رفاهية، ولكن استجابة لواقع مرير. فتكلفة الصيانة تضاعفت، والمواد التشغيلية أصبحت باهظة.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين رسوم عبور الشاحنات وسعر تذكرة راكب أو جالون وقود تُظهر أن الزيادة المقترحة لا تزال في حدود المعقول.
##إعادة تعمير
##الطرق والجسور
##سارة الطيب
##فوري نيوز






