
مواصلة للإجابة على السوال المطروح في المقالتين السابقتين عن أسباب تمرد حميدتي فقد وقفنا على الإختلاف بين تمرد حميدتي وما سبقه من (تمردات) واجهت القوات المسلحة ، كما تناولنا الدعم الذي توفر للرجل سواءً كان محلياً أو خارجياً والإمكانيات المادية من عائدات الذهب وما يتحصل عليه من أموال نظير المشاركة في عملية عاصفة الحزم، فكان لابد من الوقوف على العوامل الجوهرية والثانوية التي تضافرت داخلياً وخارجياً وقادت زعيم المليشيا لبدء الحرب وإعلان تمرده المشؤوم في منتصف إبريل 2023م.
أول أسباب تمرد الرجل هو الطموح الشخصي بتأسيس مملكة تحت مسمى (مملكة جنيد) وأميرها محمد حمدان دقلو، تكون نواة لمملكة العطاوة الكبرى في دول مثل النيجر وتشاد ومالي والسنغال وإفريقيا الوسطى، وهي مناطق تواجد عرب الشتات الذين تدفقوا نحو الخرطوم بأعداد كبيرة، يحدوهم الأمل للمساهمة في إقامة مملكة الأمير دقلو، ولتحقيق هذا الهدف قام الرجل بخلق شبكة علاقات خارجية كبيرة، أتاحت له كل أسباب التمرد من تسليح وتدريب، واضعاً هدفه النهائي نصب عينيه ألا وهو التربع على عرش السلطة أميراً، فسيطر الرجل بقواته على أهم المواقع الإستراتيجية في الدولة في حصار غير معلن، فكان قواته تحاصر القيادة العامة للقوات المسلحة والقصر الجمهوري ومباني الإذاعة والتلفزيون ومواقع التصنيع الحربي، ومطار الخرطوم الدولي، كما إحتلت مطار مروي قبيل إشعال شرارة تمرده بيوم واحد. فضلاً عن سيطرته على كل مواقع هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة والتي تمت مراعاة تموضعاتها جغرافياً في الخرطوم للسيطرة على أي مهددات ذات طبيعة عسكرية تستهدف عاصمة البلاد.
ومن الأسباب الجوهرية أيضاً لتمرد حميدتي هو رفضه عملية دمج قواته في الجيش وفق الجدول الزمني الذي طرحته القوات المسلحة، فقد تشدد الرجل وتعنت كثيراً فكانت هناك إستحالة بقبوله بهذا الأمر الذي يقضي على حلمه، وكان حميدتي قد طالب صراحة بإخراج مقترح إدماج قواته في الجيش من ورشة الإصلاح العسكري والأمني. وإتهم قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالإستعانة بعناصر النظام السابق لإعادتهم للسلطة، وكل ذلك في محاولاته المستميته لكسب ود قوى إعلان الحرية والتغيير ومؤيدي الإطاري، ولتحسين صورته المشوهه لدى المجتمع الدولي، لدور قواته في حرائق ومجازر دارفور، ودوره كذلك في إرتكاب مجزرة فض إعتصام القيادة العامة في 2019م.
وجد الرجل تساهلاً كبيراً من قيادة الفترة الإنتقالية بشقيها (العسكري والمدني) مما مكنه في فترة وجيزة (الفترة الإنتقالية) من شراء ذمم الكثيرين من النخب الحزبية (قحت وأخواتها من جماعات اليسار)، والقبلية حيث ملك القيادات الأهلية ونظار القبائل وشيوخها العربات وأغدق عليهم بالأموال، فتغيرت شعارات الثورة المرفوعة التي كانت تتردد ( العسكر للثكنات والجنجويد للحل)، و(يا برهان ثكناتك أولى ما في مليشيا تحكم دولة) فأصبحت المليشيا حليف لقوى الحرية والتغيير التي حاولت الإستقواء ببندقيتها في حربها على القوات المسلحة، طمعاً في الوصول للسلطة بدون أي استحقاق سوى أنها وجدت نفسها على راس السلطة التنفيذية في ظل الهياج الثوري.
فقد حميدتي بوصلة الخطاب السياسي بتبني أطروحات متعددة ومتغيرة، ودعاوي زائفة، فمرةً إدعي أنه يحارب الفلول والكيزان، ومرة أخرى إدعي أنه يحارب من أجل الديمقراطية والدولة المدنية؟ والكل يعلم علاقة قائد المليشيا بالنظام السابق، ولم يكن منوط به – في يوم من الأيام – محاربة الكيزان وعناصر النظام السابق. فقد أكد في تقلباته تلك أنه مجرد أداة لدوائر خارجية تحركه بدعم مالي ولوجستي غير محدود.
بالرغم من تعامل حكومة دولة الإمارات مع النظام السابق (الإنقاذ) دون أي حرج، إلا انها إدعت مساعدة مليشيا آل دقلو في محاربة النظام الإسلامي في السودان، مبدية تخوفها من عودة عناصره للحكم مرة أخرى، في تبرير فطير لا يستقيم مع مواقفها السابقة، ولكن الإمارات تماهت مع الماسونية العالمية واللوبي الصهيوني المتحالف معها, والمسيحية المتشددة, لضمان عدم قيام أي نموذج لحكم ذي توجه إسلامي, حتى لو كان معتدلاً في السودان وهو سبب جوهري آخر.
وجدت دولة الإمارات في قيادة مليشيا آل دقلو المتمردة والمتمثلة في (دقلو أخوان)، ضالتها لتنفيذ مخطط خلق الفوضى الخلاقة، وضرب أمن وإستقرار السودان، ومن ثم إعادة تشكيله من جديد، بتقسيمه إلى دويلات تخدم مصالح الكيان الصهيوني، ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر ثروات السودان مخزون إستراتيجي لأجيالها القادمة، علاوة على رغبة الإمارات في الهيمنة على الأراضي الزراعية في منطقة الفشقة في شرق السودان، ومناجم الذهب والثروة الحيوانية، والإستثمار في الموانئ المطلة على البحر الأحمر، فتم إختيار (حميدتي) لتنفيذ المخطط وفق معايير دقيقة، مستغليين نقاط ضعفه، فهو إنسان بسيط يفوق طموحه إمكانياته المحدودة، فالرجل لا يتمتع بالكثير من المؤهلات العلمية، ولا التجارب السياسية، ولا الإلتزام التنظيمي والولاء الحزبي، الذي يحصنه فكرياً ضد أي مؤثرات خارجية أو داخلية، بحيث يكون عصياً على الإستقطابات الخارجية أو الولاءات القبلية.
16 مايو 2024م






