
الدكتور الطاهر موسى الحسن يكتب ….صادر الذهب السوداني .. بورصة دبي لماذا.. ؟!
شهد الربع الأول من العام الحالي (2024م) أنتاج عدد (7.626) طن من الذهب، بقيمة إجمالية بلغت (428) مليون دولار – وفق الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة – وهي كمية معتبرة تشكل رافداً للإقتصاد الوطني من العملة الصعبة، لشراء السلع الاستراتيجية ومقابلة الإحتياجات الأساسية للمواطن، والتي تتمثل في شراء القمح (الدقيق) والوقود والأدوية….. إلخ من السلع التي لا غنى عنها في حالتي (السلم والحرب). وعلى الرغم من أن الإختلال في ميزان المدفوعات [الحساب الذي يبين الفرق بين صادرات الدولة ووراداتها في عام واحد]، ظل سمة ملازمة للإقتصاد السوداني وأحد علله، إلا أن تمرد المليشيا الهمجي زاد الطين بلة، بخروج بعض مناطق الإنتاج (التي تشهد إضطرابات أمنية) من دائرة الإنتاج، وبالتالي خرجت من المساهمة في الصادر كالصمغ العربي والذهب والمواشي وغيرها، في ولايات كردفان ودارفور التي كانت تساهم في توفر العملة الصعبة .
توفير الدولار لمقابلة تلك الإحتياجات شكل عبءً كبيرأً على وزارة المالية والبنك المركزي ، وهاجساً يضطر الدولة أحياناً للبحث عنه في السوق الموازي، مما يساهم في التضخم والإرتفاع المستمر والمحسوس في الأسعار، وربما جنح للتضخم الجامح (Hyper) الذي يعتبر ظاهرة مأساوية، لإرتفاع الأسعار بمعدلات ضخمة وسريعة للغاية، في فترة قصيرة من الزمن، مما يتسبب في الإنخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية، وقد يؤدي ذلك مستقبلاً لإنعدام ثقة الأفراد فيها، وبالتالي إنهيار النظام النقدي في البلاد.
ومما لا شك فيه أن الدمار الذي خلفه التمرد نجمت عنه خسائر مادية كبيرة، طالت كافة المجالات، حيث كان القطاع الزراعي (قبل الحرب) ينتج حوالي 40% من الناتج المحلي والإجمالي للسودان – وفقاً للبنك الدولي – وكان هذا القطاع يستوعب بين 70% – 80% من القوى العاملة في المناطق الريفية ، وبسبب الحرب خرجت حوالي 60% من الأراضي الزراعية في البلاد من الخدمة، بعد سطو المليشيا على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في مشروع الجزيرة (المنتج للقمح) للدرجة التي لم يتمكن فيها المزارعون من جني محاصيلهم. علاوة على تدمير المصانع العاملة والمنتجة خاصة في ولاية الخرطوم، ولم تكتف المليشيا بنهبها بل تعمدت على إتلاف آلياتها ومعداتها ثم حرقها، حتى لا تقوم لها قائمة في المستقبل، وكذلك نهب الشركات، والمخزونات الغذائية، هذا خلافاً للخسائر في الأرواح التي أزهقتها بنادق وأسحلة الجنجويد على مدى عام كامل. بذا أخذ التهديد للأمن القومي شكلاً جديداً تمثل في الحرمان الاقتصادي وإنتقاص المستوى المقبول فى الحياة، لعدم وجود الضمانات الكافية للوفاء باحتياجات الشعب، وتوفير سبل العيش الكريم.
وفي مثل هذا الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد، والذي يستوجب دعم الحكومة بكل الوسائل الممكنة، لابد من تقديم النصح عندما يكون النصح (فرض عين)، فعلى الحكومة البحث عن أسواق بديلة للذهب بدلاً عن تصديره إلى دبي.. مهما كانت المبررات، فدولة الإمارات التي تستخدم التمرد وتستغله لتحقيق أهدافها وأجندتها ومنها الحصول على الذهب والموانئ السودانية ، تعمل على إطالة أمد الحرب إن كان ذلك لا يتعارض وتحقيق مصالحها، وظاهر للعيان الآثر السالب لهذا الدعم على المواطن السوداني من قتل وتشريد وإذلال لم يعرفه شعبنا الكريم من قبل، فهذه الدولة لا تستحق سوى المعاملة بالمثل، فالذهب ليس من السلع الكاسدة التي لا توجد لها أسواق إلا في بورصة دبي، ولا (تجار الذهب) في القطاع الخاص هم من يفرضون ما يرونه مناسب (لتسويق سلعتهم) على الدولة ومصالحها! ولا يعقل أن تقدم حكومتنا شكوى ضد الإمارات ثم تصدر لها الذهب، فقوة الدولة اليوم لم تعد تقاس بمدى حجم جيشها ومؤسساتها العسكرية والأمنية، أو حجم الميزانيات التي تُصرف على الأمن والدفاع، كما لم يعد التهديد العسكري الخطر الوحيد الذي يهدد كيانها، فقوة الدولة مستمدة ومتكاملة بين مختلف عناصر القوى الوطنية الشاملة – المادية منها والمعنوية – بهدف تحقيق أمنها القومي، والذي يعني قدرتها على بسطه بحيث لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب، مع قدرة الدولة على حماية تلك المصالح إذا ما اضطرت للحرب إضطراراً.
الإثنين 13 مايو 2024.






