سيف الدين حسين
يكتب ..
،،،،
لم تعد منصات التواصل مجرد فضاء رقمي يكتب فيه الناس ما يشاؤون.
لقد أصبحت فعلياً الوسيط الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي العام وصناعة المزاج وتحديد ما يجب أن نراه وما يجب أن ننساه.
هذا التحول الجارف يضعنا أمام سؤال مركزى .
هل نعيش صعود إعلام بديل يحرر المعلومة من احتكار المؤسسات؟ أم أننا أمام فوضى منظمة تدار بصمت خلف شاشات الشركات الكبرى؟
فى عالم الشبكات الرقمية الخوارزميات هي اللاعب الحقيقي في هذه القصة.
هي التي تختار لك الأخبار التي تراها والآراء التي يُفترض أن تتفاعل معها والمواضيع التي يجب أن تثيرك أو تستفزك. ليست مجرد أكواد رياضية بل سلطة كاملة لا تخضع للمساءلة.
فنحن لا نتلقى ما هو (مهم)
بل ماهو (قابل للانتشار ) .
وهكذا يتحول الرأي العام إلى مجموعة ردود أفعال لحظية تصنعها منصات لا تبحث عن الحقيقة بل عن زمن المشاهدة.
أما الشركات المالكة لهذه المنصات فهي تمارس ما يمكن وصفه بـإدارة العالم من خلف الشاشات.
تقرر من يصل إلى الجمهور ومن يدفَع إلى الظل وتعيد ترتيب التدفق المعلوماتي وفق مصالح اقتصادية لا علاقة لها بحق الناس في المعرفة.
فالمحتوى يصبح سلعة والخبر منتجاً والصوت الذي يحقق أرباحاً يعلو على الصوت الذي يقدم فهماً ورسالة .
ومع كل هذا لا نستطيع إنكار الوجه الآخر فعندما بزغت منصات التواصل كانت تحمل في طياتها حلماً ثورياً كسر احتكار الإعلام التقليدي.
لقد منحت القوة الى (صحافة المواطن) محولة كل هاتف إلى كاميرا وكل مستخدم إلى ناشر ليصبح الفرد أخيراً جزءاً من رواية الحدث.
وسيد المعلومة والناقد الأول لها.
هذه الزاوية المشرقة للمنصات أعادت تعريف السلطة المعرفية في أوقات الأزمات والتحولات مانحة صوتاً لمن لا صوت له.
ولعل هذا مالتمسناه فى حـ. ـرب الكرامة معايشة ومشاهدة اخذت بالانفاس حينا وإلامنيات.
إلا ان السؤال الأهم الذى ينطلق هل القدرة على نشر المعلومة تعني القدرة على فهمها؟
الأغلب لا.
فالسرعة التي تمنح الناس صوتاً هي نفسها التي تمنعهم من التحقق وتحول الجميع إلى ناقلين لنسخ ناقصة من الحقيقة.
نحن اليوم أمام مشهد إعلامي
غير مسبوق منصات تصنع الاهتمام وخوارزميات تصنع الوعي وشركات تصنع قواعد اللعبة بينما تتراجع الصحافة المهنية في الزحام.
لذلك فإن النقاش حول
(إعلام بديل ) يبدو مثالياً أكثر مما يجب.
الحقيقة أن المنصات ليست بديلاً… وليست فوضى أيضاً.
إنها منظومة جديدة دقيقة في تنظيمها.قوية في تأثيرها لكنها بلا ضوابط أخلاقية واضحة.
إن أخطر ما في المشهد هو تركز السلطة المعرفية اليوم بيد عدد محدود من شركات التكنولوجيا العالمية إنها تتحكم بمسار الأخبار وتضع قواعد الإشراف على المحتوى دون شفافية كافية اضافة لاحتكار البيانات الإنسانية الهائلة مما يمنحها القدرة على فهم وتوجيه السلوك البشري بأساليب قد تكون خفية وتفتقر لأي مساءلة.
إذا كان الإعلام التقليدي يخضع لمالكه الحكومي أو التجاري فإن هذا (الإعلام الرقمى البديل ) يخضع لمالكي منصات هدفهم الأول ليس التنوير أو التثقيف بل تحقيق أقصى ربح
للمساهمين وهذا يحول مخاطر الهيمنة من سياسية بحتة إلى اقتصادية ومجتمعية بامتياز.
ودونك نظرة واحدة الى محتوانا السودانى على منصات السوشيال ميديا .
والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس كيف نعيش معها؟
بل .. كيف نضمن ألا تكون هي من يقرر لنا ما نفكر فيه؟
في عالم تتحكم فيه الخوارزميات يصبح الدفاع عن الحقيقة مسؤولية يومية
ومعركة لا يمكن كسبها إلا باستعادة قيمة الصحافة وحق الجمهور في معرفة ما يحدث فعلاً لا ما نراه رقميا مناسباً للعرض.







