مقالات وتقارير

سارةالطيب تكتب: الجيش السوداني… اثنان وسبعون عاماً من الوفاء للدولة والوطن

فوري نيوز

سارةالطيب تكتب الجيش السوداني…

الخرطوم: فوري نيوز

في الرابع عشر من أغسطس، يقف السودان أمام واحدة من أبرز محطاته الوطنية، إذ يحتفل الجيش السوداني بالذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادته، وهي مناسبة لا تقتصر على استذكار حدث تاريخي، وإنما تستدعي مسيرة مؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ الدولة السودانية، وبكل مرحلة واجه فيها الوطن تحديات وجودية، فكانت، في نظر كثير من السودانيين، أحد أعمدة بقائه وحماية وحدته وسيادته.
اثنان وسبعون عاماً مضت منذ أن انتقلت قيادة الجيش إلى السودانيين، لكن تاريخ هذه المؤسسة يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، فهو تاريخ أجيال تعاقبت على حمل شرف الجندية، وآمنت بأن الدفاع عن الوطن ليس مجرد واجب عسكري، بل رسالة وطنية ومسؤولية أخلاقية، تضع السودان فوق كل اعتبار.
وفي تاريخ الأمم، ليست كل المؤسسات سواء؛ فهناك مؤسسات تؤدي واجبها ثم تنصرف، وهناك مؤسسات تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ضمير الوطن وذاكرته. والجيش السوداني، بالنسبة إلى كثير من أبناء هذا البلد، ظل واحداً من تلك المؤسسات التي لم يقتصر دورها على حماية الحدود وصون السيادة، بل حملت، بحكم ظروف السودان وتعقيدات واقعه، مسؤوليات تجاوزت مهمتها العسكرية التقليدية.
فعلى امتداد العقود، لم يكن الجيش حاضراً في ميادين القتال وحدها، بل شارك في تشييد الطرق والجسور والبنية التحتية، وأسهم في الإنتاج والزراعة والصناعة، وكان له حضوره في مجالات الرياضة والثقافة والخدمات، إيماناً بأن قوة الدولة لا تُقاس بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بقدرتها على البناء والتنمية.
وفي كل مرة تعثرت فيها مؤسسات الدولة أو احتدمت الخلافات السياسية، كانت الأنظار تتجه نحو الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكاً. ويرى مؤيدو القوات المسلحة أن تدخلها في بعض المحطات التاريخية لم يكن سعياً إلى السلطة بقدر ما كان استجابة لواقع فرضته الانقسامات السياسية وعجز القوى المدنية عن الوصول إلى توافق يحفظ استقرار البلاد.
وحتى خلال ثورة ديسمبر، ظل محيط القيادة العامة للقوات المسلحة مركزاً للحراك الشعبي، في مشهد عكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الجيش والشارع السوداني، وهي علاقة ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي حتى اليوم.
ثم جاءت الحرب لتكتب فصلاً جديداً في تاريخ السودان، ولتعيد صياغة وجدان السودانيين تجاه مؤسسات دولتهم. ففي المناطق التي بقيت تحت سيطرة القوات المسلحة، وجد ملايين المواطنين ملاذاً آمناً نسبياً، بينما تحولت لحظات دخول الجيش إلى المدن والقرى التي شهدت المعارك إلى مشاهد احتفاء لدى قطاعات واسعة من السكان، رأت في وصول الجنود بداية لعودة الأمن ونهاية لفترات عصيبة من الخوف والمعاناة.
ويرى كثيرون أن السودان يواجه خلال هذه الحرب تحديات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى أبعاد إقليمية ودولية معقدة، وهو ما عزز، في نظر مؤيدي الجيش، الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة والثقة في قدرتها على حماية الدولة والحفاظ على وحدتها وسيادتها حتى تحقيق الأمن والاستقرار.
ولعل أكثر ما يميز هذه المرحلة هو ذلك الارتباط الوجداني بين المواطن وجيشه. فالسوداني الذي فقد منزله، أو نزح عن أرضه، أو خسر مصدر رزقه، قد يجد نفسه يتألم لمشهد جندي أسير أو جريح، ويفرح وهو يرى العلم السوداني يرتفع فوق مدينة استعادت القوات المسلحة السيطرة عليها. إنها علاقة لا تفسرها السياسة وحدها، بل تصنعها التضحيات، ويغذيها شعور عميق بالانتماء لمؤسسة يعتبرها كثيرون الحصن الأخير للدولة.
واليوم، تتعالى داخل الشارع السوداني أصوات ترى أن المرحلة الاستثنائية التي تمر بها البلاد تتطلب دوراً أكبر للمؤسسة العسكرية في إدارة المرحلة الانتقالية، انطلاقاً من قناعة أصحاب هذا الرأي بأن التجارب المدنية الأخيرة لم تحقق ما كان مأمولاً منها في ملفات الخدمات وإعادة الإعمار وإدارة مؤسسات الدولة. كما يشير مؤيدو الجيش إلى ما يعدونه نجاحاً للمؤسسات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة في مجالات الإدارة والإنتاج والانضباط، معتبرين أنها قدمت نماذج عملية في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
ويأتي العيد الثاني والسبعون هذا العام، بينما يخوض الجيش واحدة من أعقد المعارك في تاريخه الحديث. فلا تُقام احتفالاته في القاعات، وإنما تُكتب ذكراه في الخنادق، وعلى خطوط النار، حيث يواصل ضباطه وضباط صفه وجنوده أداء واجبهم، مقدمين التضحيات دفاعاً عن السودان ووحدته وسيادته.
اثنان وسبعون عاماً ليست مجرد رقم في سجل التاريخ، بل شهادة على مسيرة مؤسسة عاشت مع السودان أفراحه وأزماته، وأسهمت، في نظر كثير من السودانيين، في حماية الدولة والحفاظ على تماسكها في أصعب المنعطفات.
وفي هذه الذكرى، تتجه التحية إلى كل من حمل شرف الجندية وأدى واجبه بإخلاص، وإلى أسر الشهداء والجرحى، وإلى كل من آمن بأن خدمة الوطن مسؤولية قبل أن تكون شرفاً. ويبقى الأمل معقوداً على أن يعبر السودان آثار هذه الحرب، وأن تستعيد مؤسساته عافيتها، وأن تنطلق البلاد نحو مرحلة جديدة يسودها الأمن والاستقرار والبناء، ليظل الجيش السوداني، كما يراه كثير من السودانيين، أحد أعمدة الدولة، ورمزاً من رموز وحدتها، وحارساً لسيادتها واستقلالها.

 

#فوري نيوز# الجيش السوداني #سارة الطيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى