
فوري نيوز
السودان هو موطننا ومفهوم العائلة في السودان يتجاوز بكثير نطاق الأهل المباشرين، ويشمل أعدادا هائلة من الناس. لهذا السبب، لا يزال الكثير من أهلنا عالقين في السودان، ويستمرون في النزوح بحسب تغير خريطة الحرب.
العديد من السودانيين الآخرين الذين نشأنا معهم أو ذهبنا إلى المدرسة معهم أو عملنا معهم لا يزالون في السودان. وكلما تمعنت أكثر في الأمر، تساءلت: لماذا يحدث هذا؟ أين العقل؟ الأرواح البشرية التي تُفقد لا يمكن تعويضها. وهذا ثمن باهظ للغاية.
ولكن الضرر المادي الذي أُلحق بالبنية التحتية في السودان، وصناعاته وطرقه وجسوره وأعماله. إنه تدمير عشوائي وغير متناسب للحياة، وأيضا لبنية السودان التحتية.
إنه أمر مدمّر يتجاوز الوصف، وأعتقد وأؤمن أن الكلمات التي أعبر بها عن الوضع لا تعكس كل ما يحدث في السودان، لأن الوضع يفوق قدرة كلماتي على الوصف. إنها فاجعة.
رحلة محفوفة بالمخاطر من الخرطوم
لدينا الكثير من الأقارب الذين اضطروا لمغادرة الخرطوم. معظم العائلة كانت في الخرطوم. نحن في الأصل من منطقة النيل الأبيض جنوب الخرطوم.
وأنا من عائلة من المزارعين على ضفاف النيل الأبيض، كان جدي يملك مشروعا زراعيا كبيرا، وقد تحول اليوم إلى مأوى للمشردين. هؤلاء هم أشخاص لا يدعمون أنفسهم فقط والآخرين، بل كانوا يديرون أعمالهم الخاصة، أو كانوا موظفين حكوميين أو أساتذة جامعيين، ولكنهم مثل أي شخص آخر، نزحوا قسريا.
عندما بدأت الحرب في الخرطوم في 15 أبريل 2023، كان اثنان من أبنائي في الخرطوم. واحدة كانت تعمل في الخرطوم بعد أن أنهت دراستها في الخارج وعادت إلى الوطن للعمل. والآخر كان في المدرسة.
ابني الأصغر، علي، الذي سمّيته على اسم والدي، كان يذهب إلى المدرسة في الخرطوم. وبالطبع، بدأت الحرب. كانوا عالقين في المنطقة التي عاشوا فيها، حيث عشنا، لمدة أسبوعين تقريبا بعد الحرب. وفي النهاية، اضطررنا إلى إجلائهم.
وكانت عملية الإجلاء مرهقة للغاية، لأنها لم تكن تشملهم وحدهما. كانت مع أجدادهم والعديد من أفراد العائلة الآخرين. كانوا يستقلون حافلة تضم 55 فردا من العائلة المباشرة.
وكنت أنا في أديس أبابا. لذا، كان يتعين علي إدارة هذه العملية عن بعد، وكانت مرهقة للغاية. بينما كانوا يغادرون، قلت لأولادي: ‘اكتبوا. ما ترونه، اكتبوه، لأنه سيساعدكم على عدم كبت مشاعركم. وربما يوما ما ستعودون وتستفيدون من هذه الذكريات والتفاصيل’.
استغرقت رحلتهم حوالي 50 ساعة. هذه رحلة تستغرق 12 ساعة عادة من الخرطوم إلى الحدود المصرية. عبروا الحدود أخيرا إلى الجانب المصري. على الفور قمت بترتيبات أوضاع أبنائي ليأتوا إلى أديس أبابا.
وكنت أتحدث معهم، وكانوا متعبين. سألت ابنتي، رزان، ‘وماذا فعلتِ؟’ قالت، ‘لقد تحدثت بالفعل مع الكثير من الناس في الطريق وعلى الحدود. وسأبدأ مدونة.’ ولدى رزان الآن منصة على الإنترنت تسمى “أصوات الوطن” (The Voices of the Homeland)، حيث تكتب كل القصص. إنها تخلق فرصا للتفاعل والعلاج، وربما حتى أن يتحدث الناس مع بعضهم البعض ويساعدوا بعضهم البعض.
مائدة طعامنا كانت برلمانا
لا أعتقد أن هناك منزلا في الخرطوم قد سلم. ليس في الخرطوم، ولا في أم درمان القديمة حيث يوجد منزل جدي وحيث تأتي العائلة، وحيث نشأت أيضا في مراحل معينة من حياتي.
هذه مناطق كانت نقاطا ساخنة ومناطق قتال شديدة الكثافة. لذا، الافتراض هو أن كل شيء قد تحطم، كل ما عملت عليه هذه العائلة لأجيال.
أنا من عائلة تمتهن الزراعة، ولكنها عائلة منخرطة بقوة في السياسة. قادت التمرد ضد الاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر. أنا لا أشارك في السياسة السودانية، لكن عائلتي تفعل ذلك بقوة، وطاولة طعامنا بمثابة برلمان.






