
حدود المنطق..
إسماعيل جبريل تيسو..
تحمل الزيارة الخاطفة لرئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية دلالات ورسائل تتجاوز زمنها القصير من حيث التوقيت والمكان، ذلك أن لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، بولي العهد، رئيس مجلس الوزراء سمو الأمير محمد بن سلمان في القصر الملكي بمدينة جدة، يأتي في إطار تعزيز وضبط إيقاع العلاقة الثنائية في ظل تعقيدات إقليمية متصاعدة، ولعل اختيار جدة، لتكون مهبط الزيارة، ومسرح اللقاء الثنائي، لم يكن اعتباطاً، فمدينة جدة هي بوابة البحر الأحمر، وتمثل مركزاً سياسياً موازياً في لحظات التحرك السريع، كما أن طبيعة الملفات المطروحة ذات الأبعاد الأمنية والاستراتيجية العاجلة، ترتبط مباشرة بجغرافيا البحر الأحمر الذي يشهد تنافساً دولياً محموماً، وتوترات متزايدة، إذاً اختيار جدة جاء ليؤكد أن المباحثات الثنائية بين الجانبين لامست قضايا الأمن الإقليمي المشترك.
فملف البحر الأحمر، يبرز في الراهن الماثل كأحد أهم محاور المباحثات، والسودان بموقعه الجغرافي الحيوي، يشكل ضلعاً أساسياً في معادلة أمن هذا الممر البحري الحساس، الذي بات مسرحاً لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، ومن هنا، فإن تأكيد رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على استعداد السودان لتقديم كافة أوجه الدعم للمملكة في مواجهة التهديدات، لا يمثل تضامناً سياسياً فحسب، بل هو إعلانٌ صريح عن تموضع استراتيجي يربط أمن الخرطوم بأمن الرياض، ويؤسس لشراكة أمنية أكثر عمقاً في مواجهة المخاطر العابرة للحدود.
ولا يمكن فصل هذه الرسائل عن الموقف السوداني الواضح بإدانة الاعتداءات الإيرانية على المملكة العربية السعودية، والتأكيد على أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن السودان، حيث يعكس هذا الخطاب تحوّلاً متماسكاً في الرؤية السودانية تجاه محيطها الإقليمي، ويعزز من فرضية أن الخرطوم تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن محور الاستقرار في المنطقة، لا سيما في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها منذ تمرد ميليشيا الدعم السريع المسنود بدعم دويلة الإمارات.
وعلى مستوى العلاقات الثنائية، حملت مباحثات البرهان وبن سلمان إشارات إيجابية بشأن إعادة تنشيط التعاون المشترك، فإشادة البرهان بالدور السعودي في دعم السودان، وتأكيد القيادة السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده على عمق العلاقات التاريخية، يعكسان رغبة متبادلة في فتح المزيد من قنوات التعاون الديناميكي، ليشمل قضايا الاقتصاد والسياسة والأمن.
عموماً، يمكن القول إن زيارة رئيس مجلس السيادة إلى مدينة جدة تأتي لتؤكد على حقيقة ثابتة في معادلة المنطقة، مفادها: أن العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية تمثل شراكة استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا مع الأمن، والتاريخ مع المصالح، وإذا كان زمن الزيارة قصيراً، فإن رسائلها تبدو طويلة الأمد، وتؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق المكثف، عنوانها الأبرز: أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة، واستقرار الإقليم خيار لا بديل عنه.






