منطق الڤار..
في ليلة تعافي الخرطوم..
إسماعيل جبريل تيسو..
افتتح المريخ مشواره في مرحلة النخبة من الدوري الممتاز بانتصار كبير ومستحق على سيد الأتيام أهلي ود مدني بثلاثة أهداف مقابل هدف، في مباراة أكدت أن الأحمر الوهاج جاء إلى المنافسة بعقلية البطل الباحث عن استعادة الأمجاد، والعودة إلى منصات التتويج.
أرسل المريخ رسالة قوية ومباشرة إلى كل منافسيه، مفادها أن الفرقة الحمراء استعادت الكثير من بريقها، وأنها قادرة على قلب الطاولة مهما كانت ظروف المباراة وتعقيداتها، بعدما حوّلت تأخرها بهدف مباغت إلى ثلاثية جميلة حملت توقيع مصعب مكين، ودابا سوغوبا، وشيكو ساليما، في واحدة من أجمل المباريات التي لعبها المريخ مؤخراً، وأجمل ما في هذا الانتصار أن المريخ لم يفقد هدوءه بعد هدف الأهلي المبكر الذي جاء عكس مجريات اللعب، بل تعامل لاعبوه بثقة الكبار، وكأنهم كانوا يدركون أن المباراة لا تزال في بدايتها وأن الرد قادم لا محالة، فجاء التعادل بطريقة درامية متزامناً مع دخول السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى أرضية ملعب كوبر، ليشتعل المدرج الأحمر حماساً، وكأن الهدف حمل في توقيته رسالة رمزية بأن الخرطوم التي قاومت الألم قادرة على صناعة الفرح من جديد.
المريخ ظهر بصورة مختلفة تماماً، ليس فقط على مستوى النتيجة، وإنما في الشكل الفني والروح الجماعية والانضباط التكتيكي، التشكيلة التي اعتمدت بصورة كبيرة على العناصر المحلية ممزوجة بالمحترفين الأجانب قدمت لوحة كروية جميلة، عنوانها التفاهم والثقة والحضور الذهني العالي، لقد كان هناك انسجام واضح بين الخطوط، ولياقة بدنية عالية، وتحركات ذكية دون كرة، وتمريرات قصيرة تحمل الكثير من السهل الممتنع، جعلت الجماهير تتمايل طرباً مع كل لمسة وكل هجمة.
أما الرأسيات، فقد كانت السلاح الأخطر للمريخ في هذه المواجهة، حيث شكلت ميزة إضافية منحت الفريق أفضلية واضحة داخل الصندوق، وأكدت أن الأحمر الوهاج بات يمتلك حلولاً متنوعة للوصول إلى الشباك، وهي نقطة مهمة للغاية في سباق طويل ومعقد مثل سباق النخبة.
وأحلى ما في انتصار المريخ بالأمس أنه تحقق على سيد الأتيام الأهلي ود مدني الفريق القيمة والذي لا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هو واحد من أقوى فرق الموسم وأكثرها استقراراً وانضباطاً، ويكفي أنه بلغ مرحلة النخبة متصدراً لمجموعة نهر النيل بالعلامة الكاملة، بعدما جمع 24 نقطة من ثماني مباريات، مبتعداً بفارق ست نقاط كاملة عن أقرب منافسيه، وهو رقم يكشف حجم العمل الكبير الذي يقوم به المدرب المقتدر والمتطور فاروق جبرة، الذي منح سيد الأتيام شخصية فنية محترمة وطابعاً تكتيكياً واضحاً.
الأهلي أكد قوته حتى وهو يواجه المريخ، ونجح في التقدم بهدف السبق، لكن الفارق أن الأحمر امتلك شخصية البطل القادر على امتصاص الصدمة ثم الرد بقوة، وهو ما يجعل هذا الفوز أكثر قيمة وأهمية، لأنه تحقق أمام منافس يمتلك طموحاً كبيراً لمزاحمة طرفي القمة المريخ والهلال في الفوز هذه المرة بلقب النخبة.
ولعل أجمل ما في صورة عصرية الجمعة الكروية، كان مشهد الجماهير وهي تملأ مدرجات المدينة الرياضية بكوبر وتمارس هويتها المحببة بالهتافات والأهازيج التي لم تتوقف، والفرحة التي غمرت الوجوه، حيث مثلت جميعها لوحةً جمالية أكدت أن الخرطوم بدأت تستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً، وأن الحياة قادرة دائماً على الانتصار على أوجاع الحرب والخراب.
لقد كانت مباراة المريخ وأهلي مدني أكثر بمثابة رسالة أمل، ورسالة وحدة، ورسالة تأكيد بأن كرة القدم، هذه اللعبة الشعبية الساحرة تستطيع في كثير من الأحايين أن تفعل ما تعجز عنه السياسة، حين تجمع الناس على الفرح، وتصنع لحظة وطنية خالصة يلتقي فيها الجميع تحت راية المحبة والانتماء.
عموماً.. لقد خرج المريخ بانتصار ثمين وثلاث نقاط غالية، وخرج أيضاً بما هو أكبر من ذلك بكثير: خرج بثقة جماهيره، وبإيمان أنصاره، وبإعلان واضح أن زعيم الكاسات المحمولة جوَّاً عاد ليعزف من جديد سيمفونيته الخاصة، وامسكوا الخشب.
#المريخ السوداني#كورة #فوري نيوز






